فجر  02:54  |  شروق  04:51  |  ظهر  13:18  |  عصر  17:40  |  مغرب  21:39  |  عشاء  23:22

في ذكرى رحيل أسد الدعوة في الدّنمارك

كتب بواسطة: محمد هرار on .

توفي الشيخ أحمد أبو لبن ليلة الخميس الفاتح من فبراير من عام 2007، وذلك بعد صراع مع مرض مفاجئ باغته إثر عودته من رحلة قادته إلى السودان، حاضر في جامعاتها ومنتدياتها وخطب الجمعة في بعض مساجدها والتقى خلالها بالعديد من الشخصيات النّافذة سياسيّا ودينيّا، وقد كان ذلك في خضم معترك أحداث الرسومات المسيئة للنبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم أواخر 2005 م.

والشيخ أحمد أبو لبن رحمه الله تعالى – مع احترامنا وتقديرنا لجهود الجميع – هو من الشخصيات الدعويّة والفكرية والاجتماعيّة والثقافيّة التي واكبت الأحداث وساهمت في الدعوة والإرشاد وفي توجيه الحياة الاجتماعيّة والمشاركة في الجوانب السياسيّة والنواحي الثقافيّة بقسط قد لا تبلغه أية شخصية دعويّة أخرى في أوروبا كلّها؛ حتى أضحى رحمه الله من أكثر الشخصيات في الدنمارك جذبا للإعلام وتنشيطا لمنابر الساسة. بل لقد كاد يحجب الأضواء عن كثير من السياسيين والفنّانين المشهورين الدّنماركيين أنفسهم. وقد وُصف وبُصم عليه في الإعلام الدنماركي ــ بكاريزما الجدل والإثارة، وصاحب الشخصية القويّة المميّزة بين تجمّعات الجاليّة المسلمة في الدنمارك أو في اسكندنافيا بأسرها ــ بل لقد كان بمثابة عامل إحياء الجاليّة المسلمة التي وجدت شبه مشلولة في هذه الصحراء الجليديّة (اسكندنافيا)… فقد كان رحمه الله يرنو إلى رؤية هذه الجالية كغيرها من الجاليات فاعلة مؤثّرة في المجتمع مساهمة في بنائه مواطنين أفرادها كغيرهم من المواطنين الآخرين، لهم كلمتهم وأوزانهم في المجتمع وفي البرلمان والوزارة… إلى أن جاءت حادثة الرسومات المسيئة للنبيّ محمد صلّى الله عليه وسلّم، والتي أبلى فيها رحمة الله عليه البلاء الحسن تدبيرا وسلوكا لحلحلة الأزمة وإنهائها من خلال اقتراحات جدّ مهمة وفاعلة لم تصل – مع كل أسف – إلى آذان الساسة، فقد نجحت بعض الأحزاب اليمينية المتطرفة مستعملة وسائل الإعلام المنحازة في توظيف الحادثة وإذكاء نارها قصد إطالة آمادها للتأثير على الدّنماركيين واستمالتهم في الانتخابات التي تلت الأزمة مباشرة كي يكونوا صفّا في الدّفاع عن قيمهم المغشوشة مثل حريّة التعبير التي أساؤوا بها التعبير حتّى أفسدوا العلاقات بينهم وبين الكثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؛ ناهيك عن تأثيراتها الميدانيّة الدّاخليّة التي سقت اللاجئين والمهاجرين المسلمين مضايقاة ومعاملات لا تليق بالديمقراطيّة ولا بحقوق الإنسان أو حريّة التعبير التي بها أساؤوا التعبير كما أسلفت.

ولقد كان من بين الحلول التي اقترحها الشيخ رحمه الله تعالى: إقامة مهرجان حول شخصيّة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، تشارك فيه جميع الأطراف، من ساسة وإعلاميين وأكاديميين، تعريفا به صلّى الله عليه وسلّم وردا للاعتبار ودرءًا للمفاسد وتوطيدا للأواصر المجتمعيّة، غير أنّ ذلك قوبل باللامبالاة المترجمة عن الكبر والاستعلاء المسيئين وتوظيفا للأزمة من طرف اليمين المتطرّف الحاقد، وإصرارا على الإثم الذي دفع بكلّ الحلول إلى مضيق أفضى فيما بعد إلى المقاطعة غير المرغوب فيها!…

وقد كتب الشيخ رحمه الله كلمات أختم بها هذه المقالة، لعلنا نتذكر بها جهده الجبّار وتفانيه في خدمة الجاليّة المسلمة في الدنمارك: [إن كان لأزمة الرسومات من نتيجة إيجابية، فإنّما كونها دليل على أنّ رسالة الإسلام حاضرة ومؤثرة في مشهد الأحداث العالميّة، وتوحي بأنّها صامدة على المدى البعيد، فلولا دور الملتزمين من الجاليّة المغتربة على امتداد القارة الأوروبيّة لما اهتم الإعلام الغربي سابقًا كما اهتمت صحيفة اليولاند بوسطن مؤخرًا بالتعرّض لقضايا الإسلام إمّا مدحًا أو قدحًا. ويحتدم الجدل حول مدى التأثير الإسلامي وتتباين التقديرات بين التهويل والتهوين، يستوي في ذلك التقويم دعاة الإسلام وأعداؤه فكلا الفريقين بشر تؤثر فيه العواطف، ولكل فريق أهدافه ومنطلقاته وحساباته.

ولكن أوروبا تواجه نفس المعضلة التي يواجهها المسلمون وأمامها شوط معتبر من التفكير المتأنّي لحلّ هذه المعضلة، فكما أنّ للمسلمين “مدخلا فقهيا” يفرّق بين الغرب كقوة غازية تحاول بلوغ مراميها على أرضهم ومن خلال ثرواتهم وبين الغرب كدول يُفترض احتضانها للمغتربين بشكل قانونيّ، فكذلك أوروبا عليها أن توقن بأنّ “شراذم الوافدين المرهقين” ليسوا غزاة خطرين! انتهى كلامه.

وقد شُيّع جثمانُه الطاهر رحمه الله يوم الجمعة، الثاني من فبراير 2007 م، في موكب جنائزي مهيب، ليوارى الثرى في المقبرة الإسلامية التي كانت من بين ثمرات جهده وباكورة أعماله…

رحم الله الشيخ أحمد أبا لبن، وأسكنه فسيح جنّاته مع النبيين والصّدّيقين والشهداء والصّالحين، وحسن أولئك رفيقا، وبارك في ذرّيته وعلمه وعمله.

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline