فجر  03:45  |  شروق  05:51  |  ظهر  13:14  |  عصر  17:09  |  مغرب  20:32  |  عشاء  22:38

النموذج الاسكندنافي: الشيخ المربي أحمد أبولبن

كتب بواسطة: د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي on .

أتحدث اليوم عن شخص غير عادي، له إسهامات كبرى لا في مجال الوقف الإسلامي وحده، بل في الدعوة الإسلامية في البلاد الاسكندنافية في عز أزمة الرسوم الكاريكاتيرية في الدفاع عن نبي الإسلام- صلى الله عليه وسلم- وهو الشيخ المربي الفاضل أحمد سامي أبو لبن، رحمه الله، وقد كانت له انطلاقة مباركة من دولة الكويت إلى الدعوة في البلاد الاسكندنافية.

ولد أبو لبن في مدينة يافا الفلسطينية عام 1948، ثم انتقلت عائلته بعد نكبة فلسطين إلى مصر، حيث درس في مدارسها حتى حصل على شهادة الماجستير في الهندسة عام 1969، ودرس العلوم الشرعية كذلك لمدة سبع سنوات متتابعات، تتلمذ خلالها على يد كل من الشيخ محمد الغزالي والشيخ حسن أيوب.

وانطلق الشيخ بعد ذلك في رحلته الدعوية المثمرة، بادئاً من دول الخليج العربي ومنها دولة الكويت، ثم عمل مرشداً وخطيباً في نيجيريا، وهاجر بعدها إلى الدانمرك في عام 1984، حيث كانت هذه هي النقلة النوعية الكبرى في حياته، فكانت خيراً عليه وخيراً على الدانمرك بل وعلى المسلمين في بقية الدول الاسكندنافية التي تشمل إلى جانب الدانمرك: السويد والنرويج وفنلندا، حيث قاد النشاط الإسلامي في الدانمرك، وقام بإلقاء الخطب الدعوية التي ألهبت حماس المسلمين هناك للاندماج الإيجابي القائم على وسطية الفكر، ثم ترجم هذا الحماس بمساعدة إخوانه فقام بتأسيس الوقف الإسلامي الاسكندنافي في عام 1995 وتسجيله كهيئة خيرية للنفع العام، من شأنها تثبيت هوية المسلمين هناك وحفظ أجيالهم من الضياع، واشترى مبنى كان عبارة عن مصنع للخمر! فحوله إلى مقر للوقف، وبنى مسجداً إلى جواره، فكان هذا فتحاً عظيماً للمسلمين هناك، حيث تحول هذا الوقف إلى مركز التقاء للمسلمين في الدانمرك وأطراف السويد المتاخمة للدانمرك، يعمل على تحقيق مصالحهم ونشر الدعوة الإسلامية بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد أنشأ على سبيل المثال مدرسة «الأرقم» التي أطلق عليها هذا الاسم بنفسه تيمناً بدار الصحابي الجليل الأرقم بن الأرقم، وتكونت المدرسة من 14 صفاً وتحتوي على ما يقارب ثلاثمائة تلميذ وتلميذة، وجميع المدرسين فيها من المتطوعين الذين لا يتقاضون أجراً، وأنشأ كذلك أربعة مخيمات يجمع فيها الشباب المسلم في الاجازات الأسبوعية لزيادة الألفة فيما بينهم، ونشر الدعوة الوسطية الصحيحة بين المسلمين الجدد، كما أنشأ مشغلاً نسائياً للتطريز كان قيمة إسلامية اقتصادية مضافة للأسر المسلمة الفقيرة هناك، كما اهتم بالجانب الثقافي في أعمال الوقف، فقام بترجمة العديد من الكتب الإسلامية إلى اللغتين الدانماركية والسويدية، كما أسس مركزا إعلاميا لنشر الدعوة الإسلامية والتعريف بالوقف الاسكندنافي، حتى تحول الوقف الإسلامي الى مركز للتعريف بالإسلام يستقبل 400 شخص دانماركي أسبوعيا، ويتأثر الكثيرون بما يعرفونه عن الإسلام ويعلن بعضهم اعتناقهم الدين الإسلامي.

ونظرا لشكوى المسلمين الدائمة في الغرب من صعوبة العثور على لحوم من حيوانات مذبوحة وفق الشريعة الإسلامية، أسس الشيخ أبو لبن عن طريق الوقف، مؤسسة «الروابي» للذبح الحلال والتي توسعت حتى شملت الدانمرك كلها، وحصل كذلك على توكيل لإجراء عقود الزواج بين المسلمين في مقر الوقف، وكذلك اجراء مراسم الطلاق، واصبح الوقف مقرا لإحياء احتفالات المسلمين بأعيادهم ومناسبات الزفاف والعقيقة وغيرها.

وبعد ان كان المسلمون محرومين من مقابر يدفنون فيها طبقا لأحكام الإسلام، بل كان يتم دفنهم مع غير المسلمين من اليهود وغيرهم، حصل الشيخ أبو لبن على تصريح من الحكومة الدانماركية ببناء مقبرة إسلامية كبيرة شارك في تمويلها 24 مؤسسة إسلامية، تتسع لحوالي خمسة آلاف قبر، فكأنه بذلك اسهم في توحيد المسلمين احياء وامواتا!

بعد ذلك، حصلت الواقعة الأشهر التي عرّفت بالشيخ أبو لبن على مستوى العالم الإسلامي كله والمحافل الرسمية الدانماركية والسويدية، وهي قضية الرسوم المسيئة للرسول، عليه الصلاة والسلام، حيث اسهم في نشر القضية على مستوى العالم اجمع، بعد ان تزعم المسلمين في رفض هذه الرسوم داخل الدانمرك من قبل، وكان له دور كبير في تأسيس «اللجنة الأوروبية لنصرة خير البرية».

أصيب بمرض سرطان الرئة في رحلته الأخيرة الى السودان، فعاد الى الدانمرك حيث دخل المستشفى للعلاج من هذا المرض العضال، فانهالت عليه وعلى اسرته الاتصالات من انحاء العالم الإسلامي، ووصل الامر الى ان ارسل اليه بعض من محبيه بماء زمزم وعسل النحل املا في شفائه، ولكن اجل الله لا يقدم ولا يؤخر، فتوفي مساء الخميس الموافق 1 فبراير عام 2007 عن عمر يناهز 60 عاما، وتم تشييع جنازته في موكب مهيب شارك فيه آلاف المسلمين ودفن في المقبرة الإسلامية التي اسهم في تأسيسها بالدانمرك.

رحمه الله رحمة واسعة، واسكنه فسيح جناته، وعوّض الله المسلمين في الدانمرك ودول اسكندنافيا بمن يكمل مشوار الشيخ الراحل.



Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline