فجر  06:27  |  شروق  08:23  |  ظهر  12:03  |  عصر  13:24  |  مغرب  15:39  |  عشاء  17:34

وقفات مع الشيخ الراحل (أحمد أبو لبن) رحمه الله تعالى

كتب بواسطة: محمد هرار on .

بداية فبراير من كلّ عام، نقف نحن أبناء الجالية المسلمة في الدّانمارك، تلامذة وطلاب علم ومحبين، مراجعين سيرة الشيخ المربي الرّاحل أحمد سامي أبي لبن، إمام وخطيب مسجد الوقف الاسكندنافي للخدمات الأساسية في العاصمة كوبنهاغن الذي وافته المنيّة، في مثل هذا اليوم من عام  2007، إثر ظروف جدّ غامضة قد شابها كثير من الشكوك والريبة. 

 

ولمّا كان قدر الله مقضيّا لا يُردّ، فإنّا نسأل الله تعالى أن يجعل مرضه الذي مات فيه في موازين حسناته وأن يكتب موته المفاجئ شهادة أكرمه الله بها، تتويجا لصنائعه البيض وإخلاصه في العمل الدعوي الدؤوب، وذلك مذ وطأت قدماه أرض الدّانمارك، حيث لم يتوان رحمه الله تعالى لحظة في خدمة الجالية المسلمة.

ولم يدّخر جهدا في مواكبة انطلاقة الصحوة المباركة في الوطن الإسلامي ككلّ، وكان يُعدّ حلقة ربطها بموطنه الجديد الدنمارك واسكندنافية عموما، إن لم نقل في أوروبا بأسرها فهو من أشرف على ترعرع الصحوة وصيانة باكورة عملها فيها.

فنصح رحمه الله، وأرشد وعلّم ورقّى المفاهيم وصقلها وأفتى بما يناسب المحيط ويوحّد الصفّ ويقوّيه في زمن لم يكن ليُستفتى في الساحة الدّانماركية غيرُه، ما دفع بأحد الشيوخ الزائرين في حضرته عندما سأل عن جزئية تتعلق بوضع الجالية في الدنمارك؛ قائلا ومداعبا:ـ لا يُفتى ومالك في المدينة ـ.

لذا فنحن نقف توقيرا وتقديرا لهذا الرجل العظيم ولكل الذين يسيرون على خطاه ويقتفون أثره في الدعوة والإرشاد بكل استقلالية وتجرد وإخلاص لله تعالى.

من أهمّ أعمال الشيخ وتعاليمه التي غرسها في مسلمي الدّانمارك، هي الأخذ بالأسباب وبذل الجهد الأقصى وعدم التواكل على الآخر. فقد نُصِح رحمه الله تعالى بداية إقامته في الدّانمارك عندما كان رئيس لجنة إحدى المؤسسات ذات الطابع التربوي، بمكاتبة إحدى دول الخليج من أجل المساعدة المالية للمؤسسة التي كانت على أبواب الإغلاق أو الافلاس، غير أنّه رحمه الله ردّ المال على الفور من حيث أتى لمّا تبين له نية سوء استخدامه.

ردّه الشيخ رحمه الله إبعادا لشبهة قد تكون علقت به، فكثيرا ما يربك المال الخطى وكثيرا ما يفسد المال النّاس على النّاس والإخوة على الإخوة والأنفس على الأنفس ودرءًا لتواكل لا يريده لأبنائه وإخوانه الذين أحبّهم وأخذ عليهم العهد بالاستقالية التامّة كلّما أمكن ذلك والعمل التطوّعي الدؤوب... والأمثلة حسب علمي كثيرة على رفضه رحمه الله تعالى قبول المساعدات المالية أو العينية من جميع الحكومات

ولن ننسى ما حيينا موقف الشيخ الكريم وقد وقف كالطود الأشمّ العظيم في أزمة اليولاند بوسطن للرسومات المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، حتى أتاه اليقين... في حين هرب شيخ علم كان يُذكي الصراع ولا يحبّذ حلحلة الأزمة، وخرس آخرون حتى ضاعت منهم البوصلة، وبدّل آخرون ـ نسأل الله لنا ولهم الثبات ـ حتّى ما عاد لهم ذكر إلّا في دنيا السلبيات وإيثار الحياة الدنيا على الآخرة.

كما وتسلّل آخرون لواذا إلى دول النفط الخليجي، وهم الذين لم يكن يُسمع لهم صوتا ولا تُرفع لهم راية ولم يسجّل لهم موقف خلال الأزمة أو بعدها ليعودوا بغنائم، لم يُجهدوا أنفسهم كثيرا لغنمها ولم يحاسبوا أنفسهم كثيرا لضبطها عند غنمها من أجل إنشاء مشاريع خادمة لهم غطّوها بمشروعيةٍ حملتْها أسماؤُها...

إلا أننا نظلّ متفائلين أن يأخذ المشعل أناس ممّن بقوا ثابتين على المبدإ - وهم كثر ولله الحمد - من الخيّرين في أوساط الجالية الإسلامية التي ضحى من أجلها الشيخ الراحل بالغالي والنفيس، ليكملوا البناء الذي عزم على إتمامه الشيخ مخلصين لله تعالى دون جرْي وراء حيازة ألقاب لا تنفع صاحبها إلّا إذا أخلص وأحسن الاتّباع ودون حرص على تجميع أموال لم تأت عادة إلّا بالشبهات والهنات ودون انحياز إلى تنظيم سياسي أو انتماء حزبي ضيق أو فكر مذهبي مُذهب!...

كل التحية والإكبار لمن سار على درب التحرر والاستقلالية بمعناها الواسع والشمولي الدقيق الموافق للشرع وتعسا لمن ربط مصيره ومصير الجالية بمال مشبوه يجر ذيل التبعية والانبطاح حتى وإن كان باسم المصلحة الجالية.

فمصلحة الجالية في استقلالها التام وعدم تبعيتها لهذا الفريق أو ذاك... ورحم الله الشيخ وجعل لنا بالتوقّف مع سيرته الطيبة سببا لمراجعة الذّات وإصلاح انحرافاتها... والله من وراء القصد.



Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.