فجر  06:28  |  شروق  08:24  |  ظهر  12:03  |  عصر  13:24  |  مغرب  15:38  |  عشاء  17:34

السلسلة الرمضانية - الثمرة الثالثة: مجاهدة تورث الهداية والتوفيق

كتب بواسطة: الشيخ عوينات محي الدين، المستشار الشرعي للوقف on .

الصيام في حقيقته نوع مجاهدة وترويض للنفس التي تأبى الالتزام، وترفض التكاليف، وتهوى الراحة والدعة والإخلاد إلى الشهوات، ومن أهم صفات هذه النفس الجهل والشح والظلم, فهي تميل إلى الشر, وتفر من الخير، ولا تحب المشقة، ولذلك فهي تكره أي تكليف. والمعركة بين العبد ونفسه هي أكبر وأهم معركة في هذا الوجود، وعلى ضوء نتيجتها يتحدد مصير الإنسان في الدنيا والآخرة أن يكون من المفلحين أو يكون الخاسرين.

إن شهر رمضان يساعدنا على التخلق بالمجاهدة، ويقوي في النفس الإرادة القوية التي تتغلب على كل شهوة أو هو. فإذا فهم المسلم هذا الفهم، واستفاد من هذا الشهر في إصلاح نفسه كان هذا خير زاد له في دنياه.

قال الشيخ ابن العثيمين - رحمه الله تعالى - المجاهدة تعني مجاهدة الإنسان نفسه ومجاهدة غيره ، فأما مجاهدة الإنسان نفسه فإنها من أشق الأشياء، ولا تتم مجاهدة الغير إلا بمجاهدة النفس أولاً، ومجاهدة النفس تكون بأن يجاهد الإنسان نفسه على شيئين، على فعل الطاعات، وعلى ترك المعاصي؛ لأن فعل الطاعات ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه، وترك المعاصي كذلك ثقيل على النفس إلا من خففه الله عليه ، فتحتاج النفس إلى مجاهدة لا سيما مع قلة الرغبة في الخير، فإن الإنسان يعاني من نفسه معاناةً شديدة ؛ ليحملها على فعل الخير.

وحقيقة المجاهدة يحدثنا عنها الإمام ابن القيم رحمه الله كما في زاد المعاد، قال رحمه الله " مجاهدة النفس على أربع مراتب:

الأولى : أن تجاهد نفسك على تعلم العلم الشرعي .

الثانية : أن تجاهد نفسك على العمل بهذا العلم الشرعي .

الثالثة : أن تجاهد نفسك على تبليغ هذا العلم الشرعي .

الرابعة : أن تجاهد نفسك على تحمل الأذى في تبليغ الدعوة إلى الله عز وجل ، فمن استكمل هذه الصفات الأربع عُد عند السلف من العلماء الربانيين "

قال تعالى { وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ } يعني من خاف الوقوف بين يدي الله عز وجل { وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} النازعات:41

 وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يتواصون بمجاهدة نفوسهم، هذا أبو بكر - رضي الله عنه - لما استخلف عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - للخلافة قال له: (أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك ) وهذا رجل لما أتى ابن عمر رضي الله عنهما يسأله عن جهاد الأعداء، قال: ( ابدأ بنفسك فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها )

وهذا إبراهيم بن علقمة - رحمه الله - لما استقبل قوما قد رجعوا من الجهاد، قال: (لقد رجعتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر )

هذا سفيان الثوري رحمه الله يقول: ( ما عالجت شيئا أشد علي من نفسي ، مرة لي ومرة علي )

وهذا أبو العباس الموصلي يقول لنفسه: ( يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ، ولا في طلب العبادة تجتهدين ، كأنك بين الجنة والنار تحبسين ، يا نفس ألا تستحين )

يقول ابن بطال رحمه الله : ( جهاد المرء لنفسه هو أعظم من جهاد الأعداء)

يقول بعضهم: ( جهاد النفس داخل في جهاد الأعداء ، لأن العدو لابن آدم ثلاثة: الدنيا والنفس والشيطان. فالنفس هي التي تدعو ابن آدم إلى الأفعال الرذيلة، والشيطان هو المعين على ذلك، فمجاهدة النفس تكون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه عز وجل، ولا طريق للسعادة الأبدية التي لا سعادة كاملة بعدها إلا بمجاهدة النفس ومخالفة الهوى.)

وأعطيك بعض صور وأشكال المجاهد تساعدك على التدرب عليها عملياً:

- منها أن تجاهد نفسك على المحافظة على إقامة الصلاة - خاصة وأننا مطالبون بها خمس مرات كل يوم - فهذا من أعظم المجاهدة ، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: ( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ؟ قلنا بلى يا رسول الله ) فماذا قال ؟ كل هذه الصفات التي سيذكرها فيها مجاهدة ( قال : إسباغ الوضوء على المكاره ، وكثرة الخطى إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، فذلكم الرباط ) 

- - منها أن تجاهد نفسك على أن تكون مع رفقة طيبة صالحة، وأن تدع كل رفقة سيئة فاسدة، قال تعالى { وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ}الكهف28

- ومن صورها مجاهدة النفس على الإكثار من النوافل، يقول النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه فيما يرويه عن ربه عز وجل: ( ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه، ولئناستعاذني لأعيذنه)

وقد وعد الله تعالى عباده - والله لا يخلف الميعاد - بأن ييسر لهم الهداية ويوفقهم لسلوك سبيلها إذا هم جاهدوا أنفسهم في سبيله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69

اللهم أعنا علىشهواتأنفسنا، وقسوة قلوبنا ، وضعف إرادتنا ، ولا تكلنا إلىأنفسناولا إلى أحدمن خلقك، اللهمآت نفوسنا تقواها وزكها فأنت خير من زكاها ، وكن ولينا يا رب يا نعم المولى ونعم النصير

 

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.