فجر  03:57  |  شروق  05:59  |  ظهر  13:13  |  عصر  17:03  |  مغرب  20:22  |  عشاء  22:23

السلسلة الرمضانية - الثمرة الخامسة عشر: القدرة على التغيير النفسي

كتب بواسطة: الشيخ عوينات محي الدين، المستشار الشرعي للوقف on .

ولقد يسَّر الله سبحانه وتعالى للمسلمين سبل التغيير الإيجابي في نفوسهم في شهر رمضان أكثر من أي وقت آخر؛ فجعل منه نقطة انطلاق قوية نحو الارتقاء الأخلاقي والقيمي والسلوكي، فأبواب الخير مفتحة، ونوافذ الشر موصدة، ورحمات الله تعالى تملأ جنبات الكون، ففي الحديث الشريف: ( إذا جاء رمضان، فُتِّحت أبواب الجنَّة، وغلِّقَت أبوابُ النار، وصفِّدَت الشياطين، ونادى منادٍ: يا باغِي الخير أقبل، ويا باغي الشر أَقصِر (رواه الخمسة إلا أبا داود، إنها دعوة ربانية لأولي الألباب لاغتنام هذا الشهر الفضيل بعدما يسر الله سبحانه وتعالى لنا كل السبل؛ بفتح أبواب الجنان وغلق أبواب النار وتصفيد الشياطين. والصيام يعين على تجاوز هذا الضعف أمام هوى النفس، التي قال عنها ربنا سبحانه}: إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي} يوسف: 53، أو التي قال عنها سفيان الثوري: (ما عالجت أمرًا أشد عليَّ من نفسي)، وقال عنها الحسن البصري: ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام من نفسك.

إن تغيير النفس يحتاج إلى اهتمام من ناحيتين: الأولى ناحية العلم أي  التعرف على المفهوم النظري للنفس وسبل تغييرها، ويتعرف على طبيعة النفس البشرية، ويطلع على نقائصها، وكيفية التغلب على آفاتها، وأهم وسائل إصلاحها وتهذيبها إلخ .. قال تعالى: { إِنَّ الله لاَ يُغَيّـرُ مـَا بِقوْمٍ حتَّى يُغَيْرُوا مـَا بأنفُسهِم}  الرعد:11، وقال سبحانه: { ذَلِكَ بِأنَّ الله لَـمْ يَكُ مُغَيّراً نِعْمةً أنْعمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتْى يُغَيِروا مَـا بأنفُسـهِمْ} الأنفال:53، وهنا لابد من معرفة أن التغيير ليس بالسهل، فإننا نواجه تغيير عادات وآفات تعودنا عليها سنين طويلة، ولذا لابد من التدريب والاستمرار على ترويض النفس، فبعد مرور مدة من تدريب ستتغير هذه العادات السيئة.

قال تعالى: {يَـأيُّـهَا الَّذينَ ءامَنواْ اصْبِرُوا وَرَابِطُواْ واتَّـقُـواْ الله َعَلَّكُمْ تُفْـلِـحُونَ} آل عمران:200

وأما من ناحية العمل: فهي أن يقوم باتباع الوسائل العملية التي تعمل على التغيير الحقيقي للنفس. وهنا ينبغي للمسلم أن يقف وقفـة محاسبة مع نفسه مع بداية عملية التغيير: مـاذا قدم فيـما مضـى عمره؟ ومـاذا يرجـو ممـا بقي منه؟ وهل استفاد من رمضان أم لا؟ لابد من هذه الوقفة للمحاسبة لتعرف أين أنت، ومـاذا استفـدت من صيـامك وقيـامك؟ وهل تحقق فيك مقصود الله من فرض الصيـام؟ وهل تحقق لك مقصودك أنت من شهر رمضان؟

عن أبي هريرة رضي اللَه عنه أن رسول اللَه صلى اللَه عليه وسلم قال) الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلا يَرْفُثْ وَلا يَجْهَلْ وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ..يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا ( رواه البخاري ومسلم، هذا الحديث دليل على أن الصائم مطالب بحفظ صومه، وذلك بالتحلي بمكارم الأخلاق والبعد عن سيئها، ليؤدي الصوم ثمرته المطلوبة، وتترتب عليه المغفرة الموعود بها.وبالتالي يتعود على هذا التغيير الذي أحدثه الصيام في نفسه، فيستتبعه بعد رمضان بحيث يكون تغييراً شاملاً. فلا قيمة للصيام إن لم يؤد هذا التغيير المنشود، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: صلى اللَه عليه وسلم) ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم (. وعنه -أيضاً رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى اللَه عليه وسلم (من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري. فقد دل هذا الحديث وما قبله على أن الصائم يحرص على سلامة صومه مما ذُكر.

اللهم إنا نسألك علم الخائفين وإنابة المخبتين وإخلاص الموقنين وشكر الصابرين وتوبة الصادقين. اللهم إنا نسألك لساناً رطباً بذكرك وقلباً منعماً بشكرك وبدناً هيناً ليناً بطاعتكَ. اللهم اجعلنا من جندك فإن جندك هم الغالبون، واجعلنا من حزبك فإن حزبك هم المفلحون، واجعلنا من أوليائك فإن أوليائك لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline