فجر  02:54  |  شروق  04:39  |  ظهر  13:08  |  عصر  17:32  |  مغرب  21:35  |  عشاء  23:22

السلسلة الرمضانية – الثمرة التاسعة عشر: دعوة مستجابة

كتب بواسطة: الشيخ عوينات محي الدين، المستشار الشرعي للوقف on .

إن الصيام من أعظم أسباب استجابة الدعاء وذلك أن حال الصائم في طاعته وقنوته لربه وبعده عن المعاصي تناسب استجابة الله تعالى لدعائه، كما أن الصيام يضيق مجاري الشيطان ويرقي النفس بالإضافة إلى شدة الافتقار مع الجوع والعطش، إذ أن الشبع يبعث غالباً على الغَفْلَة والأشَر، قال سَهل بن عبد الله : البِطْنَة أصل الغَفْلَة . فتكون حال الصائم حينئذ أقرب لاستجابه الدعاء، وفي الحديث : ( ثلاثة لا تُرَدّ دَعوتهم - وذَكَر منهم - الصائم حَـتَّى يُفْطِر ). رواه الإمام أحمد والترمذي ، وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قال : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : (إِنَّ لِلصَّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً مَا تُرَدُّ) . رواه ابن ماجه

ودعاء الصائم مقبول إن شاء الله تعالى ما دام صائماً، أما دعوته عند فطره فهذه فضيلة أخرى من رب العالمين، قال النووي: (يستحب للصائم أن يدعو في حال صومه بمهمات الآخرة والدنيا، له ولمن يحب، وللمسلمين، لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر، والإمام العادل، والمظلوم. رواه الترمذي وابن ماجه. فتقتضي استحباب دعاء الصائم من أول اليوم إلى آخره، لأنه يسمى صائما في كل ذلك).

والله تعالى يحب أن يسمع مسألة عبده وحاجته ويفرح بهذا أشد الفرح، ولذا أخبرنا سبحانه بقربه منا فلا نحتاج مشقة الوصول إليه بل هو سبحانه أقرب شيء إلينا، قال الله تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ }. كما وعدنا سبحانه بالإجابة لدعائنا فقال عز وجل: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم}.

والدعاء عبادة حيث أنه يظهر افتقار العبد لربه وحاجته إليه وعدم استغناؤه عنه طرفة عين، فلا يتوكل إلا عليه، ولا يفتقر إلا له، ولا يرجو إلا إياه وهذا العابد حقا، قال النبي صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ: (الدعاء هو العبادة) . رواه الترمذي ولذا فحال العابد بالدعاء تتنافى مع حال المتكبر المغرور، فتكون عبادة الدعاء سلامة من آفة الكبر التي تحرم العبد كل خير في دنياه وأخراه: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}.

فحال العبودية عند الداعي ربه هي أكمل حالات العبد والتي يشعر معها بقرب ربه منه ، قال بعضُ العُبَّادِ: (إنه ليكون لي حاجةٌ إلى الله، فأسأله إياها، فَيَفْتَحُ عَلَيَّ من مناجاتهِ، ومعرفتهِ، والتذللِ لَهُ، والتملقِ بين يديه ما أحب معه أن يؤخَّر عني قضاؤها، وتدومَ لي تلك الحال).

لما كان العبد الداعي كريماً على ربه فالدعاءُ نفسه أكرمُ شيءٍ على الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس شيءٌ أكرم على الله عز وجل من الدعاء). رواه أحمد والبخاري ، كما الدعاء سبب لدفع غضب الله، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من لم يسألِ اللهَ يَغْضَبْ عليه). أخرجه أحمدُ، والترمذيُّ

لكن الاستجابه تحتاج إلى شروط حتى تتحقق على الوجه المراد، فدعاء الغافل، أو غير الموقن بالإجابة، وضعف توكله على ربه بعيد عن الاستجابة من رب العالمين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وكلّما قوي طمع العبد في فضل الله، ورحمته، لقضاء حاجته ودفع ضرورته؛ قويت عبوديتُه له، وحريته مما سواه؛ فكما أن طمعه في المخلوق يوجب عبوديتَه له فَيأْسُهُ منه يوجب غنى قلبه)

والدعاء سلامة من العجز، ودليل على الكَياسة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أعجز الناس من عجز من الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام). رواه ابن حبان، وصححه الألباني.

ومن خصائص الدعاء أن صاحبه أبداً لا يخيب، فثمرته مضمونة بإذن الله تعالى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، أو كفّ عنه من سوء مثلَه؛ ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم). رواه أحمد والترمذي، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من مؤمنٍ يَنْصِبُ وَجْهَهُ لله يسأله مسألةً إلا أعطاه الله إياها، إما عجّلها له في الدنيا، وإما ذخرها له في الآخرة، ما لم يعجل). قالوا: يا رسول الله وما عَجَلَتُه ؟ قال: (يقول: دعوت ودعوت ولا أراه يُستجاب لي). أخرجه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد.

قال ابن حجر رحمه الله: (كلُّ داعٍ يُستجاب له، لكن تتنوع الإجابة؛ فتارةً تقع بعين ما دعا به، وتارةً بعِوَضِه).

ومن خصائص وفضائل الدعاء أنه سبب لدفع البلاء قبل نزوله، وسبب لرفعه بعد نزوله، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يغنى حذرٌ من قدرٍ، وإن الدعاءَ ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاءَ فيعتلجان إلى يوم القيامة) أخرجه الطبراني ومعنى يعتلجان أي: يتصارعان، ويتدافعان.

لكن على المسلم أن يحرص على التحلي ببعض الآداب المشروعة ليكون أقرب إلى الاستجابة إن شاء الله تعالى ومن هذه الآداب الطهارة، واستقبال القبلة، ورفع اليدين ، والحرص على الدعاء بالأدعية الجامعة، والإلحاح في الدعاء، والابتداء بالحمد والثناء على الله، والثقة بالله وحسن الظن به واليقين بالإجابة وغير ذلك من الآداب.

اللهم أنا نسألك قلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً وعملاً متقبلاً، ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يرفع، ومن نفس لا تشبع.

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline