فجر  02:54  |  شروق  04:49  |  ظهر  13:17  |  عصر  17:40  |  مغرب  21:41  |  عشاء  23:22

السلسلة الرمضانية – الثمرة الرابعة والعشرون: اعتكاف العشر تنقية وترقية

كتب بواسطة: الشيخ عوينات محي الدين، المستشار الشرعي للوقف on .

من سنن شهر رمضان الثابتة في القرآن والسنة الاعتكاف في المساجد في العشر الآواخر من رمضان، وهي سنة نبوية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، قال تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود } البقرة 125. وقال تعالى : { إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } الحج 25. وقال تعالى: { ولاتباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } البقرة 187.

وحكم الاعتكاف سنة مستحبة وليس بواجب، قال ابن قدامة في المغني: ( قال الموفق: ولا نعلم بين العلماء خلافاً في أنه مسنون، ولا خلاف في الجملة أنه لا يجب إلا أن يكون نذراً ، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الاعتكاف لا يجب على الناس فرضاً إلا أن يُوجب المرء على نفسه الاعتكاف نذراً فيجب عليه. ومما يدل على أنه سنة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومداومته عليه تقرباً إلى الله تعالى وطلباً لثوابه، واعتكاف أزواجه من بعده، وأما إذا نذره فيلزمه )

وفي الحديث الشريف:( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان) متفق، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان، فكنت أضرب له خباءً فيصلي الصبح ثم يدخله ... الحديث ) رواه البخاري

وقال ابن القيم في زاد المعاد: وكان إذا اعتكف دخل قبته وحده، وكان لا يدخل بيته في حال اعتكافه إلا لحاجة الإنسان، وكان يخرج رأسه من المسجد إلى بيت عائشة، فترجله، وتغسله وهو في المسجد وهي حائض، وكانت بعض أزواجه تزوره وهو معتكف. فإذا قامت تذهب قام معها يقلبها، وكان ذلك ليلاً، ولم يباشر امرأة من نسائه وهو معتكف لا بقبلة ولا غيرها، وكان إذا اعتكف طرح له فراشه، ووضع له سريره في معتكفه، وكان إذا خرج لحاجته مر بالمريض وهو على طريقه، فلا يعرج عليه ولا يسأل عنه. واعتكف مرة في قبة تركية، وجعل على سدتها حصيرا، كل هذا تحصيلاً لمقصود الاعتكاف وروحه، عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عشرة ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون.

من هدي النبي في الاعتكاف أن ينقطع عن جميع الشواغل الدنيوية، ويفرغ قلبه للعبادة بأنواعها من صلاة وذكر وتفكر وخشوع وغير ذلك، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: ( وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل رأسه وهو في المسجد فأرجّله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان إذا كان معتكفاً ) متفق عليه. وعنها رضي الله عنها قالت: ( السنة على المعتكف أن لايعود مريضاً ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولايباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه ) أخرجه أبو داود

أما حاجة الإنسان فإن للمعتكف الخروج من أجلها، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمعتكف أن يخرج للبول والغائط وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج لحاجته، والمراد بحاجة الإنسان البول والغائط كنى بذلك عنهما، وفي معناه الحاجة إلى المأكول والمشروب إذا لم يكن له من يأتيه به، وكل ما لابد له منه ولا يمكن فعله في المسجد فله الخروج إليه ولا يفسد اعتكافه وهو عليه ما لم يُطل، وكذلك له الخروج إلى ما أوجبه الله عليه مثل الجمعة.

والمقصود الشرعي للاعتكاف هو انقطاع النفس فترة من الزمن لغاية التعبد لله تعالى وترك كل ما يشغل عن هذا، فيكون هذا الاعتكاف سبباً في حصول الخشوع وزيادة الإيمان وتزكية النفس، فليس الاعتكاف بالبدن فقط، بل إنه عكوف القلب على طاعة الله، ليتحلى بأنواع الفضائل، وليتخلى عن النقائص والعيوب والشواغل، وليقبل بكليته على الله تبارك وتعالى.قال الإمام ابن القيم: لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفاً على جمعيته على الله، ولم شعثه بإقباله بالكلية على الله تعالى، فإن شعث القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فضول الطعام والشراب، وفضول مخالطة الأنام، وفضول الكلام، وفضول المنام، مما يزيده شعثاً، ويشتته في كل واد ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى، أو يضعفه أو يعوقه ويوقفه، اقتضت رحمة العزيز الرحيم بعباده أن شرع لهم من الصوم ما يذهب فضول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهوات المعوقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشرعه بقدر المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يضره ولا يقطعه عن مصالحه العاجلة والآجلة.

فإن لم يستطع المسلم الاعتكاف في العشر الأواخر كلها، فلا أقل من أن يعتكف الليالي الوترية التي تلتمس فيها ليلة القدر، أو كلما سنحت الفرصة للبقاء في المسجد فلينو الاعتكاف حسبنا يتيسر له ولستكثر من الطاعات بقدر المستطاع.

ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك إنك نعم المولى ونعم النصير.

Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline