فجر  04:00  |  شروق  06:01  |  ظهر  13:13  |  عصر  17:02  |  مغرب  20:20  |  عشاء  22:19

أزمة رسومات جريدة يولاندز بوستن: الجذور، التطورات والحلول

كتب بواسطة: الشيخ أحمد أبو لبن on .

Attachments:
Download this file (azmah.pdf)أزمة الرسوم المسيئة[ ]3133 kB

في 30-9-2005م قامت الصحيفة الدنمركية اليولاندز بوسطن بنشر 12 كاريكاتيرًا تعبر عن تخيلات راسميها حول شخصية النبي التي لا يعرفون عنها شيئًا بكل أسف، وبالطبع جاء فحوى الرسومات مثيرًا للاستفزاز ومسببًا لأعلى درجات الإزعاج للجالية المسلمة نتيجة تأثره بالأجواء السائدة في الغرب التي تصر على تصنيف الإسلام تصنيفًا سيئًا والتي لا تقيم وزنًا لأي مقدس، لا فرق في ذلك بين قدسية الذات الإلهية للرب سبحانه وتعالى أو مقام النبوة للرسول أو القرآن أو التشريع أو العبادات.


 

واندلعت بذلك نيران آخر الأزمات ذات الأبعاد العالمية، ونظرًا لأن طبيعة الأزمة هو فكري وثقافي محض فقد بقيت الأزمة تقريبًا في مسارها الصحيح ولم تتجاوز إطاره، إذ لم تصل بنا إلى أهوال الاشتباكات العسكرية أو الصراعات السياسية أو المجابهات الاقتصادية، ورغم ذلك كله ارتفعت بعض الأصوات تتساءل هل ما نشهده هو بداية لـ"صراع الحضارات" الذي طالما بشر به المراقبون؟ وهل شاءت أقدار الله أن تشب شعلة هذا الصراع من اسكندنافيا ذلك الركن القصي المسالم من العالم الذي يلتحف بعباءة الجليد السميكة في شتائه الطويل؟

ما المانع أن يتطاير الشرر من تحت أكوام الثلج وقد نبع طوفان نوح عليه السلام من "التنور" وتدفق الماء الهادر من فرن لا يجفف الرطب فحسب بل يحرق ويلتهم اليابس!

والآن وقد تبدد غبار المجابهة وخَفت الضجيج، تسنح الفرصة لذوي الألباب لكي يمعنوا النظر ويقلِّبوا وجوه الرأي، إلى أن تبرز الحقائق واضحة للعيان وأهمها:

الأولى: أن تبعات ضبط الأمور وإعادة تشكيل القيم بعد هذه المدافعة الهائلة تقع على أكتاف المسلمين طالما أنهم أصحاب المظلمة، وبصفتهم مصدر الاعتراض على التعريف الليبرالي لمبدأ "حرية التعبير"، ولا يجوز للمسلمين التنصل من هذه التبعة ولن يجديهم نفعًا إلقاء اللوم أو توجيه العتاب إلى المفكرين والمنظرين الغربيين بصفتهم المسئولين عن الإفرازات الإلحادية وما تثيره من تقزز فـ "ليس بعد الكفر ذنب".

الثانية: أن انفعالات أبناء الأمة الإسلامية بقيت محصورة ضمن بلادهم وأخذت المشاعر تغلي وتفور بين عامة الناس وضمن الأجهزة الإعلامية ولم تستطع نقل عشر معشار تأثيرها إلى الساحة الأوروبية، ولذا فالحقيقة التي لا مفر من الاعتراف بها أن الجالية المغتربة لم تتقدم خطوة واحدة خارج المربع الأول من مهمتها الشرعية الكبرى في "الحوار الحضاري" أو "التفاعل الفكري" بصفتها صاحب مبادرة وكشريك موثوق، وعليها أن تبحث عن الحلول الفعالة بدأب ودقة، ثم تبادر إلى ساحة العمل بكل عزم ونشاط اليوم قبل الغد، ولهذا الغرض نقدم هذه الإطلالة الموجزة "لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد"...
وما العون إلا من الله.

العالم والإسلام
إن كان لأزمة الرسومات من نتيجة إيجابية ، فإنما كونها دليل على أن رسالة الإسلام حاضرة ومؤثرة في مشهد الأحداث العالمية، وتوحي بأنها صامدة على المدى البعيد، فلولا دور الملتزمين من الجالية المغتربة على امتداد القارة الأوروبية لما اهتم الإعلام الغربي سابقًا كما اهتمت صحيفة اليولاندز بوسطن مؤخرًا بالتعرض لقضايا الإسلام إما مدحًا أو قدحًا. ويحتدم الجدل حول مدى التأثير الإسلامي وتتباين التقديرات بين التهويل والتهوين، يستوي في ذلك التقويم دعاة الإسلام وأعداؤه فكلا الفريقين بشر تؤثر فيه العواطف، ولكل فريق أهدافه ومنطلقاته وحساباته.

الأيام دول، وبسقوط آخر الدول العظمي (الشيوعية) تصدر الإسلامُ المنصة - مكره أخاك لا بطل- لسبب بسيط وهو الدوافع المغرضة لإلقاء الأضواء على أمة الإسلام الذي بزغت حضارتها في الماضي ورغم غيابها النسبي عن الحاضر فيُفترض أن تكون هي المستقبل بحول الله!

وفي "عصر الصحوة" تفيدنا أدبياتها بتفصيلات وافية عن الشكل النهائي للعلاقة بين المنتصرين "قوى الدول الأوروبية" وبين المهزومين "الخلافة العثمانية" وشظاياها المتشرذمة في شكل دول "متمسلمة"، كما تحيطنا الأدبيات علمًا بحصاد الهزيمة المر وأثقالها التي لا تزال جاثمة على صدر أمة الإسلام، والبحث العلمي المتأني يقتضى سردها بالتسلسل التالي باختصار يغنى عن التكرار:

1- التغريب (الغزو الفكري: إفساد القيم ومسخ الهوية).
2- التبعية (الهزيمة المادية: الاحتلال العسكري والإرباك الاقتصادي).
3- التجزيء (الاستضعاف والهيمنة بترويج العصبية الجاهلية).
4- الاستبداد (إدارة شئون العباد نيابة عن المحتل الحريص على ضمان مصالحه).
5- الفقر (ضياع المقدرات هو ثمرة الخلل والفوضى).
6- التخلف (افتقاد العدل والاستقرار يعطل دولاب التقدم والإبداع في كافة النواحي).

في ظل هذه الأجواء الخانقة خطف بريق أوروبا أنظار الغارقين في المعاناة فزاد معدل تسللهم إلى أرض الخلاص - الغرب عمومًا- (ولا ننسى الولايات المتحدة ، كندا، أستراليا) وإلى أوروبا الغربية خصوصًا بحكم قربها الجغرافي من المنطقة العربية، "وشر البلية ما يضحك" فرغم تربع الفلسطينيين على عرش الشتات ضاربين الرقم القياسي في نسبة المبعدين عن الوطن فقد حاول العراقيون ثم الصوماليون منافستهم في تلك الفضيلة بعد ما حل في بلادهم من مصائب!

ومن المفيد هنا أن نستعرض موجات الوفود الثلاث مع سرد أسبابها على عجالة فنقول:
الأولى: عصر الاحتلال العالمي (شعوب المستعمرات: بريطانيا - فرنسا – هولندا).
الثانية: إعادة إعمار أوروبا (في أعقاب الحرب العالمية - الأتراك: ألمانيا).
الثالثة: فترة الحرب الباردة (الصراعات الإقليمية، الانقلابات العسكرية، الأزمات الاقتصادية).

فما الذي يمثله الإسلام في العالم أو بمعنى أدق في حسابات الغرب:
1- معظم الموارد الطبيعية وعلى رأسها النفط والغاز (80 % تقريبًا من الاحتياط العالمي) تنبع من تحت أقدام المسلمين.
2- أهم الأسواق إغراءً في قدرتها الشرائية وازدياد معدل استهلاكها هي أسواق المسلمين.
3- أعلى درجات الخصوبة ومعدلات المواليد بين شعوب الأرض تُنسب إلى المرأة المسلمة (28% من شعب الجزائر دون سن الرابعة عشرة).
4- العقيدة الوحيدة التي مضت بإصرار وأخذت تكسب الأتباع بإضطراد هي عقيدة التوحيد وأكثر الأديان تحركًا وانتشارًا وتأثيرًا هو دين الإسلام.
5- القارة الأوروبية تحمل في أحشائها ما يتجاوز 20 مليون مغترب من أصل مسلم ورغم تفاوت درجات التزامهم خلال نصف قرن من الاستقرار فهم يشكلون جزءًا من نسيجها الاجتماعي أصبح من الصعب سلخه أو اقتلاعه، فما هو دورهم؟

تساؤل مهم وشائك يطرح نفسه من يقود العالم؟ ... ومن يمثل الإسلام؟ إجابة القسم الثاني معقدة وطويلة كما أنها ليست مدار البحث! أما إجابة القسم الأول فمعروفة للجميع.

القوة التي تسعى للهيمنة والسيطرة هي الولايات المتحدة الأمريكية، والذي أعلن ولادة النظام العالمي الجديد هو جورج بوش الأب، والذي استجلى خريطة العالم في الألفية الثالثة وقام بتوزيع الأدوار مع بوادر إنهيار الاتحاد السوفيتي وتصدّق بدور ثانوي على المسلمين المروّضين هو ريتشارد نيكسون (كتاب: الفرصة السانحة)، والذي قسّم شعوب الأرض إلى محور للخير ومحور للشر وأجهد البشرية بنظرية محاربة الإرهاب هو جورج بوش الابن...

والحديث عن الدول الثماني الكبرى ليس ببعيد، فلندع روسيا بشجونها واليابان وطموحاتها والصين وحساباتها والهند بمثابرتها وأمريكا اللاتينية باستفاقتها ولنعد إلى أوروبا في صورتها الجديدة أو "الاتحاد الأوروبي" حيث تبدو قياداتها السياسية راغبة في إحسان التعامل مع العالم الإسلامي استجابة لنداء القدر الرباني الذي حصرها بين فكي "الأندلس وآل عثمان" والمؤشر هنا ظاهر للعيان في الاستعداد لقبول تركيا "العلمانية" عضوًا في نادي الغرب رغم عنفوان النقاش وتثاقل الخطوات، هذا ما يدركه عقلاء الغرب بمنطق الواقع الذي تستند دوافعه إلى:
- قواعد الذرائعية (البراجماتية) في تحديد الأهداف وترتيب الأولويات.
- الاستفادة من دروس الماضي مع الدولة العثمانية وتنفيس حالة العداء الموروث.
- استغلال حالة الامتعاض من المواقف الأمريكية كفرصة تاريخية لاستقطاب المسلمين.

ولكن أوروبا تواجه نفس المعضلة التي يواجهها المسلمون وأمامها شوط معتبر من التفكير المتأني لحل هذه المعضلة، فكما أن للمسلمين "مدخل فقهي" يفرق بين الغرب كقوة غازية تحاول بلوغ مراميها على أرضهم ومن خلال ثرواتهم وبين الغرب كدول يُفترض احتضانها للمغتربين بشكل قانوني، فكذلك أوروبا عليها أن توقن بأن شراذم الوافدين المرهقين ليسوا غزاة خطرين!

خصائص الدول الأوروبية
الوضع العام
إن حُق لمفكري الإسلام في مواطنهم أن يُشرِّحوا حضارة الغرب ويحصوا أمراضها المزمنة، فلهم مبرر بل مبررات مفهومة ومقنعة ترتكز على وقائع المجابهة الطاحنة مع أوروبا والممتدة في أغوار التاريخ والذي توجته الحروب الصليبية بلا منازع، كما تسترجع ظروف خطة التغريب التي مُورست في ظل قهر الاحتلال الأخير، ولكن المحير هو حال مثقفي الجاليات المغتربة الذين وفدوا برغبتهم وحطوا رحالهم في أمن وسلام ومكنتهم المعايشة اليومية من الإطلاع الدقيق وسبر أغوار الأمور بكل أبعادها الفكرية والاجتماعية والقانونية، فإذا بهم يقعون في أخطاء:

الأول: نقلوا ميراث عداوة تاريخية بغير شكله الصحيح والله يقول "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، وانتشرت فتاوى تبيح الخداع والتحايل للوصول إلى أموال الأوروبيين وأعراضهم بزعم أن أسلافهم غزوا بلاد المسلمين ونهبوا ثرواتهم.
والثاني: جانبوا الإنصاف في تميز الخير من الشر تحت تأثير هذا التحامل ثم أرهقوا أنفسهم في أوهام المجابهة مع مؤسسات الغرب لمبالغتهم في تقدير وفي توصيف درجات الشرور التي تستهدف المغتربين، ولحيرتهم في تحديد مصادر التهديد والمسئولين عنه.
والثالث: خلطوا مفاهيم الولاء والبراء إذ لم تسعفهم مواهبهم في تمييز مناطات الأحكام بدقة ولحسن الحظ فقد رصد التاريخ أحداثًا مشابهة عن جنوح فئات من هذه الأمة إلى الإفراط أو التفريط متجاوزين ما أكرمنا الله به من وسطية الدين الحنيف، وحال هذه الفئة أسوأ من سابقاتها، فلاعتبارهم معاملة الكافر المسالم بالحسنى هي خدش في عقيدة التوحيد ناصبوا العداء لقطاعات من الشعوب الأوروبية بلا مبرر.

قامت الدول الغربية على نظم سياسية تطورت بشكل طبيعي عبر التاريخ لتنشئ حضارة تجمعها على بقايا النصرانية رغم تخلصها من سيطرة الكنيسة ومن الملكية المستبدة معتبرة الديمقراطية بأسسها وقيمها هي الركن الركين لبقاء هذه الحضارة ولتقدمها ثم أمعنت في التحرر "الليبرالية" واللادينية وأوجدت مفهومًا لحقوق الإنسان نظَّمته تشريعيًا وأتقنته تنفيذيًا لخدمة مواطنيها.

ومع زحف المسلمين المضطهدين واستقرارهم في أوروبا تعرضت هذه القيم لامتحان صعب، إذ لم يرد في خَلد المشرِّعين أن هذه القوانين التي قاموا بسنها لحل مشاكلهم الإقليمية كحالة الصراع بين طوائف النصرانية المختلفة ولمنع استبداد الحاكم... لم يتصوروا مجيء أيام يُراد لهذه القوانين أن تتسع فتستوعب حالة الوافدين المسلمين... فهل تعني حرية العمل فتح أبواب التوظف للمغترب على قدم المساواة مع نظيره الأوروبي، وهل تعني حرية التدين أن يتمتع الوافد المسلم بما يتمتع به النصراني الأصلي في أموره التعبدية، وهل تعني حرية التعبير أن تتوفر الحصانة للمثقف المسلم في أوروبا عند نقده لقيم الغرب دون أن يُتهم بالرجعية أو التحريض أو الإرهاب؟

للمغتربين مخاوف سببها المبالغات والمعميات التي لن تنقشع إلاَّ بإجابة بعض الأسئلة المهمة ، فهل خُطَط "التغريب" التي حاولوا فرضها قسرًا في عهود احتلالهم لبلادنا تم استبدالها أو تعديلها إلى برامج لـ "التذويب" تمارس بحق الفلول التي جاءت بمحض إرادتها وجعلت أوروبا مستقرًا لها؟

وإن اتيح لنا الإيجاز في وصف بؤرة سوء الفهم التي تؤدي إلى الاحتكاك بين الطرفين فهي:
- ما يجب أن يفهمه المسلمون أن أوروبا مفرطة الحساسية تجاه التوتر الاجتماعي والديني ولن تسمح بتكراره فقد كلفها خسائر باهظة عبر القرون وتجسد في حرب عالميتين بشعتين هلك فيهما الملايين وعم فيهما الدمار، وهنا يبدو لهم الإسلام كجسم غريب غير قابل للتجانس مع محيطه.
- ما يجب أن يدركه الأوروبيون أن أمة الإسلام هي أكثر أمم الأرض معاناة منذ انتكاستها والضحية الكبري للاستبداد والإرهاب بلا منازع، وألفت رؤية الحروب والقتلى إلى أن نضبت دموعها ولكن ذلك لا يعني استسلامها للطغاة ولا رضاها بسفك الدماء وتتطاير الأشلاء.

خصوصية هولندا والدانمرك
لا شك أن العلاقة بين التجمعات الإنسانية مبنية على القبول والرفض، ولذا فمن الممكن تحديد أسلوب التفاعل والتعامل بين دول أوروبا والجاليات المسلمة فيها بالتعرف على قيم الحضارة الغربية التي تجمع بين هذه الدول من جهة، أما الجهة الأخرى فهي التعرف على القواسم المشتركة بين هذه الجاليات التي ينظم سلوكها خليط مركب من تشريعات الإسلام ومن العادات والتقاليد التي وفدوا بها من مواطنهم الأصلية.

ولا تتوفر إحصائيات دقيقة عن أعداد المسلمين أو نسبتهم في أوروبا، والمسألة مرجعها إلى تقديرات تتراوح صعودًا وهبوطًا بتنوع يعتمد على مصداقية مصادرها، فلنجتهد في اقتطاف أقربها إلى الصحة:
- فرنسا 7%
- هولندا ، ألمانيا ، النمسا 5%
- الدنمرك ، بريطانيا ، إيطاليا 5، 2%
- أسبانيا 1%

مفهوم التسامح:
وحتى يتسنى لنا تعيين الفروق بين أحوال الدنمرك وهولندا وباقي مناطق أوروبا فنحن بحاجة لإلقاء نظرة خاطفة ليست على مصطلح التسامح بل على الأدلة الواقعية التي تشير إليه، فهل يمكن رصده من:
- طريقة التعامل اليومي (القيم السائدة في العلاقات العامة). أم من
- الإطار الرسمي (القوانين والتشريعات المدونة). أم من
- المنافع والامتيازات (خلاصة ما يُستفاد به علمياً).

ولو تطرقنا إلى أحد الجوانب وبحثنا مثالاً عمليًا، لوجدنا أنه في عام 1970 افتُتحت المدرسة الإسلامية الخاصة الأولى في الدنمرك، ويبلغ عدد المدارس الخاصة الآن 13 مدرسة، بينما بدأت المدرسة الأولى في هولندا عام 1988 ووصل تعداد المدارس الخاصة إلى 39 بالإضافة إلى مدرستين ثانويتين، وما يعنينا هنا هو سهولة الحصول على التصريح القانوني وكذلك تكفُّل وزارة التعليم بكل الإنفاقات المالية لهذه المدارس، وننوه هنا بأن هذه الامتيازات يصعب نيلها في معظم البلدان الأخرى ويستحيل تحقيقها تمامًا في بعضها.

قد لا نبالغ إن وضعنا كلتا الدولتين هولندا والدنمرك على رأس قائمة التسامح بين دول أوروبا الغربية في معاملة المغتربين بالنظر إلى المثال السابق ولاعتبارات عديدة أخرى، ولكن الاستعراض التاريخي يخبرنا عن قابلية الظواهر الاجتماعية للانقلاب من النقيض إلى النقيض، وهنا تزول الدهشة عند مشاهدتنا لنفس الدولتين وهما تتحولان من الانفتاح مع الأجانب إلى التضييق عليهم ومن حسن معاملتهم إلى التسبب في تكدير معيشتهم، وسبحان مع وسع العباد بلطفه وكرمه!

خلاصة الوضع المتأزم تعرضه وجهة نظر بعض الجهات المتنفذة في الدنمرك بالنقاط التالية:
- المسلمون غير قادرين على الاندماج الصحيح في المجتمع ولا استعداد لديهم لتقبل قيمه الديموقراطية وهم أعداء الديموقراطية (الحرية السياسية) جِبلًة ونشأًة وسلوكًا.
- زيادة الكلام واتساع الحوار في المحافل العامة عن الدين وعن التدين وخاصة الإسلام هو أمر غير مريح ولا مستساغ في مجتمع ارتضى اللادينية منهجًا للحياة منذ أمد طويل.
- لا يجوز للدولة ولا المؤسسات الرسمية منح الأئمة والمتدينين دورًا أكبر في واقع الحياة، بل يجب إقصاؤهم وتهميشهم بكافة السبل رغم ضراوة انتقادهم في حملات مستمرة.
- لا بد من انتهاج السبل الكفيلة بتدريب وترويض المسلمين على قبول القيم الغربية ولو جرى ذلك بنوع من الإذلال أو أدى الأمر إلى استفزازهم في أعز مقدساتهم.

استفحال التوجه الليبرالي واللاديني
في 25-3-1957 شهدت قاعة أوراتسي بمقر المجلس البلدي للعاصمة روما التوقيع على اتفاقيات روما التأسيسية للمجموعة الاقتصادية الأوروبية، التي ضمت ست دول هي: بلجيكا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا ولوكسمبورج وهولندا.

وفي صباح 29-10-2004 شهدت نفس القاعة التوقيع على الدستور الأوروبي الجديد من جانب زعماء ورؤساء حكومات ووزراء خارجية الدول الخمس وعشرين الأعضاء في الاتحاد الأوروبي. وقد خلا نصه من الإشارة إلى الديانة النصرانية (المسيحية) كمكون أساسي أو مرجعية ثقافية لأوروبا الموحدة.

وحاول النصارى المؤمنون كثيرًا، ولكن جهودهم المضنية لم تجد نفعًا، ولم تفلح مناظراتهم المستفيضة في إقناع الأغلبية الملحدة، أما الأب الروحي للدستور فاليري جسكار ديستان الرئيس الفرنسي الأسبق فقد باءت محاولاته المستميتة بالإخفاق الكامل، كما ذهبت مناشدات بابا روما يوحنا بولس الثاني أدراج الرياح، وتحت ناظري شعوب أوروبا التي تعيد لنا ذكرى الزحف الهادر على الباستيل تم دق المسمار الأخير في نعش النصرانية... رسميًا على الأقل!

المشهد يؤكد مرة أخرى وبدون أدنى شك أن أوروبا تكره الدين عمومًا وتوغل ُقدُمًا في الإلحاد وقد قاءت ما في بطنها من بقايا هذا الدين دفعة دفعة عبر الأجيال، فما الذي يجبرها الآن أن تبتلع دينًا آخر هو الإسلام، لا شك أنها شرَِقت به وهي مجبورة أن تستسيغه بفضل الله أولا ثم بضغوط منظمات حقوق الإنسان "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض".

جاء الوافدون إلى أوروبا وتحت تأثير "الصدمة الثقافية" عاد جزء منهم إلى الإسلام وتوالدوا حتى بلغ تعدادهم قرابة خمسة وعشرين مليونًا وباستيطانهم التدريجي أصبحوا جزءًا لا يتجزأ من مكونات مجتمعاتها، وكلما تناسلوا وتكاثرت أعدادهم وكلما زادت درجات التزامهم صار وجودهم يشكل صداعًا مقلقًا لهذه الحضارة الليبرالية اللادينية استعصى عليها ترويضه.

الأزمة
(أ) أجواء الدانمرك
يعرف القاصي والداني اسكندنافيا (السويد، الدنمرك، النرويج) بشهرتها كأفضل بلاد العالم في نظم الرعاية الاجتماعية، كما تتميز هذه البلاد بسجل مشرف لإسهامها في دعم القضايا الإنسانية ولخدمة السلام العالمي وجائزة نوبل للسلام برهان واضح على هذه الحقيقة (يشارك جنود الدنمرك تحت راية الأمم المتحدة في قوات حفظ السلام في 11 موقعًا في العالم).

الشعوب الاسكندنافية أحادية الثقافة والدين (المذهب البروتستنتي) وتتصف بالشغف للمعرفة فلم يسبق لها غزو العالم ولا خبرة لديها في مخالطة الشعوب، كما تتسم بالتواضع والتعاضد الاجتماعي والتسامح ولديها رصيد ضخم من التعاطف مع الشعوب المنكوبة بالأزمات.

في أواخر الستينيات بدأ ت طلائع الوافدين المسلمين تحل بأرض الدنمرك تبحث عن العمل وجلهم من الأتراك ويليهم الباكستانيون فالعرب... وفي منتصف الثمانينيات تصاعدت معدلات الوفود بشكل سريع طلبًا لملجأ آمن بعد الاجتياح الإسرائيلي لبيروت وعقب أزمات الجزائر والعراق والبوسنة والصومال فالفئة الجديدة هي من اللاجئين المثقلين بالويلات والمستترفين بالكوارث.

ومن المحال دوام الحال، فمع تزايد عدد الأجانب ومع ارتفاع درجة تمسكهم بالإسلام، بدأت عوارض "الزينوفوبيا" في الظهور والتوسع... وبعد رخاء العيش وحسن المعاملة انقلب الترحيب بالغرباء إلى خوف وتوجس... وملأ الذعر قلوب شريحة من الدنمركيين وهُرعوا محاولين اصطناع هوية لعلها تمنحهم الثبات وتعينهم على الصمود أمام ما يشاهدونه من صلابة المسلمين واعتزازهم بهويتهم ولعل صفة التواضع وهي الفضيلة التي يتحلون بها قد تحولت إلى مثلبة تجسدت في صورة عقدة نقص سببها افتقاد الثقة بالنفس تخيل لصاحبها قدرة اللاجئين المنكسرين على ثقافة الدنمرك وقرب هيمنتهم على مقدرات البلاد، وفي هذه الأجواء المتوترة تأسس "حزب الشعب الدنمركي" المشهور بعنصريته مستغلاً هذه الظاهرة ثم قام بتوظيفها لخدمة أهدافه السياسية متجاوزًا الحدود والاعتبارات الأخلاقية فخلال تسع سنوات وعبر أربع حملات انتخابية اثنتان على المستوى البرلماني واثنتان على مستوى البلديات عاني المغتربون مرارة التمييز والتشهير، فانشغلت أجهزة الإعلام بأحوالهم وقضاياهم وتصدرت عناوين الصحف، وصاروا مشجبًا تُعلق عليه كافة المشاكل و تُبرر به جميع الأزمات ويُكال لهم النقد اللاذع بلا حسيب ولا رقيب رغم تقارير منظمات حقوق الإنسان الأوروبية والأممية ما توجهه لهم من انتقادات!

أما القيادات التي أسست الحزب العنصري فيما بعد فقد اندفعت في حملة "التطهير الثقافي" فكان أول ضحاياها الذبح الحلال حيث صوت البرلمان على إلغاء الامتياز عام 1997 م وشمل ذلك الطائفة اليهودية أيضًا، ومنذ ست سنوات وبمجرد استلام حكومة الحزب الليبرالي السلطة في دورتها السابقة تقرر تقليص برامج تدريس لغة الأم لأطفال المغتربين في المدارس الحكومية لتكون الضحية الثانية في القائمة... ونتيجة المبالغة في تقدير معدل مواليد الأجانب كانت الضحية الثالثة مسألة الزواج والإقامات فسُنت قوانين صارمة بشأنها كما جرى التشديد في إجراءات الحصول على الجنسية وهكذا...

ومن ناحية أخرى وتوخيًا للإنصاف لا بد من الإقرار بأن حكومة الحزب الليبرالي استحدثت ولأول مرة "وزارة الاندماج" لمعالجة مشاكل المغتربين المتفاقمة حيث أولت اهتمامها للجوانب المادية فقط كالتعليم والتوظف ولكنها وللأسف الشديد أغفلت إلى حد بعيد الجوانب الثقافية وهي السبب الرئيس للاحتكاك بين الطرفين الدنمركي والمسلم.

أما على الصعيد الخارجي فقد رصدت وزارة الخارجية حوالي مائة مليون كرون لمشروع أسمته "المبادرة العربية" توفد بها بعض شبابها وهم في مقتبل أعمارهم إلى مناطق المسلمين للتعرف على التيارات الفكرية والسياسية والدينية من خلال ندوات مع أقرانهم لتكوين مستقبل أفضل.

(ب) إغتيال فان جوخ: توسيع دائرة المجابهة
إن الإحاطة بعناصر الارتباط بين ظروف الدنمرك وهولندا سيساعد إلى حد كبير على فهم تصرف صحيفة اليولاندز بوسطن وتفسير موقف الجالية والتداعيات التي أعقبت نشر الرسومات.

في الثاني من نوفمبر 2004 وفي أحد شوارع أمستردام قام الشاب المغربي محمد بويري باغتيال ثيو ڤان جوخ المخرج الهولندي بسبب فيلمه المثير للجدل " Submission" الخضوع الذي جرى عرضه في 29 أغسطس السابق، وقد ظهر في الفيلم أربعة نساء شبه عاريات وقد كتب على أجسادهن التي تظهر عليها آثار تعذيب آيات من القرآن، وكن يتحدثن عن تعرضهن للضرب ولعمليات اغتصاب بالقوة من قبل أقاربهن ويستغرق الفيلم 12 دقيقة فقط، وبعد العرض تلقى ثيو ڤان جوخ العديد من رسائل التهديد ولكنه لم يأخذها على محمل الجد ورفض تزويده بأي نوع من الحماية، واستعمل جوخ طريقة فريدة و مثيرة للجدل في محاولته ربط ظاهرة العنف العائلي بتعاليم الدين الإسلامي حسب اعتقاده وقام جوخ بالاستناد في فيلمه على أفكار وسيناريو الآنسة آيان حرزي علي عضو البرلمان في هولندا عن الحزب الليبرالي.VVD

- ثيو ڤان جوخ: ولد في لاهاي 23-7-1957 وكان جده الأكبر وهو شقيق الفنان المشهور ڤنسنت ڤان جوخ يتاجر باللوحات الفنية. منذ بداية شبابه كان أسلوبه في الكتابة أو في عرض أفكاره مثيرًا للجدل حيث رُفع ضده كثير من الشكاوى القانونية لأساليبه الهجومية الحادة في الانتقاد. كان يدخن بكثرة ويشرب الكحول ويتعاطى الكوكائين علنيًا غير آبه بالانتقادات الموجهة إليه، وحصل في عام 1996 على جائزة العجل الذهبي وهي من أرفع الجوائز السينمائية في هولندا عن فيلمه "لمصلحة الدولة"، وفي عام 2003 أصدر كتابًا بعنوان "الله يعلم أكثر" انتقد فيه تعاليم الدين الإسلامي بطريقة ساخرة ولاذعة.

- آيان حرزي علي: مواليد 13 نوفمبر 1969 في مقاديشو هربت عائلتها خارج الصومال وأتمت دراستها الثانوية في كينيا ووصلت إلى هولندا عبر ألمانيا وحصلت على حق اللجوء فيLeiden عام 1992، وفي عام 1995 التحقت بجامعة ليدن إحدى أقدم جامعات هولندا لدراسة العلوم السياسية.

أعلنت ردتها عن الإسلام إثر هجمات سبتمبر 2001 في نيويورك، فتركزت أضواء الإعلام عليها وبدأ نجمها يسطع في القنوات الإخبارية، حيث أصبحت ضيفة دائمة في أي برنامج يتعلق بالإسلام و المهاجرين المسلمين. وصرحت في مؤتمر دُعيت إليه في أمستردام قائلة "إن الإسلام ليس بحاجة لمن يفهمه من الخارج بل حاجته إلى فولتير يقوم بتجديده من الداخل".

وقالت في مقابلة مع الصحيفة اليومية Trouw السبت 25 يوليو 2003: "أن النبي محمد بالقياس بالمعايير الغربية ، هو شخص منحرف ومستبد"، و استشهدت بأنه تزوج من طفلة عمرها تسع سنوات، كما وصفت الإسلام بأنه دين رجعي وكالمتوقع فقد سُجلت ضدها مجموعة قضايا بتهمة التمييز من قبل أفراد ومنظمات إسلامية عديدة إلا أنها لم تُرفع للمحاكم أبدًا لاقتناع المدعي العام بـ: "أن آراءها لا تؤثر على وضع المجتمع المسلم في هولندا، وأن تصريحاتها لا تحتوي أي استنتاجات تتعلق بهم، وأن حقوقهم كمجموعة وكأقلية لم تُنْكر"، وخلال ذلك بدأت التهديدات تنهال عليها من كل مكان، واستخدمت آيان براعتها لاستثمار هذه التهديدات التي لم يستوعب الهولنديون مغزاها ولم يفهموا مبرراتها لتنال تأييدهم الشعبي ابتداءً ثم لكسب أصواتهم الانتخابية.

في 2002 وجد الحزب الليبرالي الديمقراطي فيها ضالته، فعرض عليها مقعدًا في الانتخابات المقبلة للبرلمان مقابل انضمامها له، وأما حزب العمال الذي انخرطت فيه قبل عام فلم يأسف على تركها له لتعرضهم لخطر فقدان أصوات المسلمين بسبب أسلوبها الاستفزازي وتحريض المسلمات اليافعات والذي كان يثير حفيظة مسلمي هولندا.

محمد بويري: ولد في 8 مارس 1978 في هولندا لأبوين مهاجرين من المغرب وكان يحمل الجنسيتين الهولندية والمغربية وكان يكنى بـ "أبو زبير" في مراسلاته عن طريق الإنترنت.

بعد وفاة والدته عام 2003 بدأ بالتردد على مسجد يسمى "مسجد التوحيد"، وأعفى لحيته وأخذت أفكاره تنحو منحى أطلق عليه بعضهم "بالإسلامية المتطرفة" وامتنع عن المكوث في أي مكان يُشرب الكحول أو المناسبات الذي يختلط فيها الذكور والإناث.

قام بإطلاق 8 رصاصات علي المخرج ثيو ڤان جوخ وقطع رقبته وطعنه في الصدر ثم ثبت على الجثة بسكينه بيانًا مكونًا من 5 صفحات فيه تهديد للحكومات الغربية واليهود وآيان حرزي علي كاتبة السيناريو ولكن الشرطة تمكنت من إصابة بويري بطلق ناري في ساقه وتم القبض عليه وأحيل للتحقيق، وقد عُثر في جيبه على قصيدة كانت تتحدث عن الاستشهاد، وبالنسبة لجثة جوخ فقد تم حرقها بناءً على وصيته ونُشر الرماد في هواء مدينة أمستردام، وأدت هذه الحادثة إلى ضجة كبيرة ومناقشات حادة حول مصير أكثر من مليون مسلم في هولندا وبدأت بعض المنظمات تحذر مما أسمته "المد الإسلامي" في هولندا وكيف أن نسبة الولادة بين المسلمين هي أعلى من نسب غير المسلمين مما سيؤدي حسب تعبير تلك المنظمات إلى "جعل المواطنين الأصليين أقلية في المستقبل". وانتهت إجراءات المحاكمة وصدر الحكم في 26 يوليو 2005 بالسجن مدى الحياة وهو أقصى عقوبة في القضاء الهولندي ولم تكن إدانة بويري مفاجأة لأحد، فقد اعترف أمام المحكمة - في كلمة وجهها لوالدة الضحية - بأنه قد أقدم على َفعلته "مجاهداً ضد أعداء الإسلام"، بل ورفض كليًا الدفاع عن نفسه ضد التهم الموجهة إليه، وبهذا يصبح محمد بويري أول من يُدان بموجب قانون مكافحة الإرهاب الذي أجيز في أغسطس 2004 قبل ثلاثة أشهر فقط من مقتل ڤان خوخ.

(ج) الدور الإعلامي والسياسي:
في أعقاب مقتل المخرج الهولندي ثيو ڤان جوج، سارع الحزب الليبرالي الحاكم في الدنمرك بتوجيه الدعوة إلى آيان حرزي علي لزيارة البلاد كما جرى الاحتفاء بها بطريقة متميزة وقد حرص آنس فو غاسموسن على تسليمها "جائزة الحرية" بنفسه تكريمًا لها وتقديرًا لدورها في دعم مبدأ "حرية التعبير" بصفته رئيسًا للحزب وليس كرئيس للوزراء تجنبًا للحرج.

ووقع الحزب الحاكم في "خطأ تاريخي وورط معه أجهزة الإعلام ودوائر المثقفين عندما استجلب دم ثيو فان جوخ إلى الدنمرك وطالب جاليتها المسلمة بدفع ديته! وحرصت قنوات التلفزة الدنمركية على عرض فيلم "الخضوع" مرات ومرات لتعويد المسلمين على تقبل النقد مهما بلغت درجته، ومما زاد الطين بلة تطاير الأخبار بأن قطاع السينما الدنمركي سيسهم في إنتاج فيلم "الخضوع 2" وهو أفحش من سابقه إكمالاً لمسيرة حرية الرأي والتعبير المقدسة.

قام الوقف الاسكندنافي كعادته بدعوة أجهزة الإعلام إلى خطبة الجمعة 19-11-2004 وعنوانها "من ميل جبسون إلى ثيو ڤان جوخ" وأعقبها لقاء صحفي ساخن حاول به المعنيون في الوقف امتصاص صدمة الرعب وتهدئة حالة التصعيد تجاه المسلمين التي حشد لها الإعلام كافة إمكانياته، فالخطب جلل لأنها في نظرهم "حرب وجود لا حرب حدود" فمن الذي أذن للمسلمين أن يضعوا حدوداً جديدة لحرية التعبير؟ وما هي أهليتهم للإتيان بهذا الصنيع؟ ومن ذا يجرؤ على إرخاء العنان لهم كي يقوضوا الأساس الراسخ لوجود الديمقراطية؟

العلاقة الجدلية بين السياسة والاقتصاد والثقافة ظاهرة معروفة في المدنيات الحديثة والتداخل والتفاعل بين مكوناتها ليس سرًا على أهل الاختصاص، وينبغي لنا عند هذه المرحلة من البحث تحديد الأمور بدقة أكثر، فالذي تولى كبر المهمة وقدح زناد الأزمة هو صحيفة اليولاندز بوسطن، فمنذ اغتيال فان جوخ (2-11-2004) وإلى يوم نشر الرسومات (30-9-2005) وطوال هذه الفترة مضت حملة التحريض والتصعيد ضد المسلمين وضد قيمهم بإشراف اليولاندز بوسطن أوسع الصحف الدنمركية انتشارًا والتي تنتمي إلى نفس التوجه الفكري للحزب الليبرالي الحاكم، ولنُلق نظرية التآمر وراء ظهورنا ولنفصِل المسار الإعلامي عن نظيره السياسي فصحافة الدنمرك صحافة مستقلة كما هو الواقع الديموقراطي في سائر القارة الأوروبية.

وإذا حكم بعضهم بسوء تصرف رئيس الوزراء من بداية الأزمة إلى نهايتها، فالأولى بالمسلمين على قلة إمكانياتهم أن يدعوا مهمة المساءلة السياسية إلى أربابها أي أحزاب المعارضة فأنيابها مؤلمة وحسابها عسير، والأجدر بالجالية المغتربة تركيز الجهود في المجال الثقافي والفكري ويُعمِلوا فيه فكرهم ويوظفوا فيه طاقاتهم لأنه منبع المشكلة وهيكل المعضلة ومن بعدها فليقطفوا الثمار، أما الحكومات فإنها تأتي وترحل وتبقي سنة الحياة ثابتة لا تتبدل إلى يوم الدين، وهي صراع بين أفكار البشر "وهو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن".

(د) الجالية وإدارة الأزمة: الخط القانوني – السياسي – الفكري
وقعت الواقعة ووصلت نسخ اليولاندز بوسطن صباح الجمعة 30 سبمتبر 2005 إلى أيدي القراء وقد احتوت تلك الرسومات المضحكة المبكية. في وقت وصل احتقان المسلمين ذروته و "لم يعد في القوس مترع" فالوتر مشدود إلى مداه وبدأ تفاقم التوتر والغضب.

أوصل أفراد الجالية احتجاجاتهم إلى قيادات المراكز والمساجد ولم يكن الأمر بحاجة إلى مزيد تفكير فتجربة هولندا ماثلة للعيان ودلالاتها فوق مستوى الشك، وبذاءة فيلم "الخضوع" أودت بحياة شخص واحد فقط هو المخرج والمنتج ثيو فان جوخ، وأمامنا اثنا عشر رسمًا كاريكاتوريًا قام بتخطيطه 12 رسامًا وتم ذلك بإشراف المحرر الثقافي للصحيفة فلمنج روز والكل يعمل تحت إمرة رئيس التحرير كاستن يوسته، فالحصيلة بحساب بسيط هي 14 روحًا مهددة بلا مزاح ما لم تمسك القيادات الإسلامية بزمام الأمور وتُبرهن على قدرتها في إدارة الأزمة!

المقارنة المختصرة تبين أن ضخامة حجم الجالية في هولندا لم تتح الفرصة لشخصياتها الإسلامية للقيام بالتحرك الضروري بالسرعة الملائمة وبقيت حرارة الاستهجان حول فيلم "الخضوع" ترتفع إلى أن وصلت نقطة الانفجار، ولن نرجم بالغيب فربما كان محمد بويري أسبق من غيره في إطلاق الرصاص فأغنى الآخرين مؤنة المهمة! فالحل الأمثل هو تدويل القضية وتبديد حرارتها على مساحة أوسع أي أن المخرج هو إشراك الشخصيات الشرعية والفكرية في العالم الإسلامي في الحوار حول الرسومات وتداعياتها، وبالمنطق البسيط يمكننا إصابة ثلاثة عصافير بحجر واحد:
- تخفيف الضغوط النفسية على الجالية التي استُفرد بها مرات سابقة وبدت في عزلتها عن العالم كرهينة يعبث المختطفون بأعصابها لفترات طويلة بلا رادع.
- إيصال بعض مطالب المسلمين إلى الدوائر السياسية والفكرية التي اعتادت النظر إلى الأئمة كزمرة أصولية جاهلة ومتخلفة لا يمكن التفاهم معها
- الشروع في إيجاد نوع من التواصل الثقافي الحقيقي بين الدنمرك وبين الإسلام بجانبيه العلمي –الشريعة- والعملي -حياة الشعوب- بواسطة الفئة الأكاديمية الراقية الوافرة في بلدان المسلمين والمبدعة في علوم الدنيا وعلوم الدين.

الرؤية والهدف هما شيء واحد "حوار الحضارات" وفي عصر انتكاسات الصحوة وفي ظروف محاربة الإرهاب يفزع المسلمون أينما كانوا إلى منتديات الحوار بصدق وبغير تصنع فالحوار من أوامر ربهم وهو منطلق رسالتهم ومهمة رسولهم أما النية فكانت خالصة لوجه الله تعالى، ولكن النيات الحسنة لا تكفي لبلوغ غايات ضخمة ولا لخدمة مشروعات معقدة مع محدودية الخبرات وضآلة الإمكانيات، بينما باغتتنا الحكومة بسرعة ولوجها ميدان الترال وجعلت من نفسها طرفًا يدافع باستبسال عن المرتكز الجوهري للديمقراطية وهو "حرية التعبير" وتقمص رئيس الوزراء شخصية "المخلِّص" وأصبح جبريًا يظن أن القدر سخره في معركة مصيرية وإلا انهارت الحضارة الغربية فهو رجل الموقف ورجل التاريخ وفي هذا تفسير لكثير من الغموض!

بنشر الرسومات فتحت لنا الصحيفة الملف الفكري، فإذا بالدولة تحوله إلى المسار السياسي وتطورات الأزمة ألجأت الجالية للتوجه إلى الميدان القانوني، فإذا بالأزمة وفي أقل من شهرين تبدو كعربة يجرها ثلاثة جياد ولا يعرف السائق كيف يحكم قبضته على اللجام حتى لا يفلت أحد هذه الجياد فتفقد العربة توازنها وتهوى إلى منحدر الطريق!

انقسمت لجان العمل الإسلامي في الدنمرك إلى كتلتين كبراهما تصر على المجابهة ولا تتوانى عن زيادة التشدد ملحة في طلب الاعتذار، وصغراهما تتحفظ على التصعيد لإرضاء الرأي العام ولكنها لا تفوت أي فرصة للكسب مستغلة حالة التصعيد التي تعترض عليها. لم يكن واضحًا لكافة الأطراف إلى أين المسير وما هي نهايته، فالأمة الإسلامية بغضبتها العارمة قد سحبت البساط من تحت الأقدام واستحوذت على الموقف بلا منازع وباتت كل الفئات من مسلمين ودنمركيين مشلولة وعاجزة عن إيجاد حل أو الخروج من الطريق المسدود.

لقد فعلت محبة سيد الخلق مفعولها السحري في نفوس أتباعه واندفعت المؤسسات والهيئات في بلاد الإسلام تتنافس في إبداء مناصرتها بكل الوسائل المتاحة وأدت ظروف التفاعل الفريدة إلى حالة من استلاب الإرادة عند لجنتي العمل في الدنمرك فقلب الأمة قد نبض وأصبح مركز الثقل المغناطيسي ليدور الجميع في فلكه، واقتصر أداء اللجنة على الإصرار في طلب الاعتذار، فلا جدال بأن لإغراءات العمق الاستراتيجي من إندونيسيا إلى المغرب تأثيرها في تفكير أبناء الجالية، فهو يفوق الدنمرك تعدادًا ومساحة وإمكانيات، وعلى حساب قوة الاتصال الخارجي تقطعت حبال التواصل مع المؤسسات الدنمركية تدريجيًا وما عدنا ندري لماذا توقفنا عن طرح الاقتراحات لهم، ولماذا تركنا التفاوض والحوار؟ هل هو الخوف أو الزهد أو الاستنكاف!

نحن ننفذ الآن إلى نخاع القضية الذي سيسهل تحديد الحلول المقبلة، قضية الرسومات ذات أبعاد فكرية ثقافية ترمز إلى حالة الاحتكاك الحضاري بين الإسلام والعالم بأسره وطالما أن البشرية محكومة بالقيادة الغربية فالاحتكاك هنا بين الإسلام والحضارة الأوروبية، ونختزل الموقف الأوروبي الممعن في اللادينية بحالة الزينوفوبيا الراهنة في الدنمرك ونلخص الحالة الدنمركية في موقف صحيفة اليولاندز بوسطن ورسوماتها الكدرة، ومع تسارع الأحداث وتزاحمها تجمدت كل مبادرات وأفكار ومقترحات التفاعل الثقافي، وعندما دست الحكومة أنفها في القضية نقلتنا إلى الأبعاد السياسية، ولاتصاف فعل الصحيفة بتهمتين هما "الهرطقة" و "التمييز العنصري" عجِلنا إلى دوائر القضاء مفضلين الإجراءات القانونية وهي البعد الثالث لأنها أقرب منالاً. طريقتنا في العمل علَّقت آمالها ووضعت ثقلها على المتابعة القانونية وجرى ذلك بمعزل عن الاتصالات السياسية فلم نفكر في المزج بينهما ولم نحاول التفاوض وصولاً إلى تسويات كما هو الحال في الأعراف الدولية فخسرنا الدعوى القانونية وأصابتنا نقمة القيادة السياسية، أي أن الزمام انفلت وانطلقت الجياد الثلاثة مخلية العربة تتدحرج على سفح المنازلة إلى مصيرها المحتوم لنجد أنفسنا في المربع الأول، أي أننا لم نبدأ بعد في شرح قضيتنا ورسم علاقتنا داخل المجتمع الدنمركي.

المبادرات المطروحة: ما لها وما عليها
ضغوط المقاطعة الاقتصادية في شبه الجزيرة العربية زادت من حرج حكومة الدنمرك وكثفت الضغوط عليها، ففضلت الحلول السريع وانتهجت أسلوب الجراحة التجميلية رغم مفعولها السطحي، وكُلِّفت وزارة الخارجية بوضع خطة لحملة علاقات عامة، فاستضافت كلاً من حمزة يوسف وعمرو خالد، بينما اجتهدت أطراف أخرى من المسلمين لتقديم مبادراتها.

(1) حمزة يوسف، 22-2-2006:
كان الداعية الأمريكي ذو الشهرة والجاذبية أول القادمين إلى الدنمرك وقد تم تنسيق زيارته مع مجموعة "يالا شباب" من محطة mbc، وأستضيف في برنامج تلفزيوني لمدة نصف ساعة واشغلوه عن عرض الإسلام وعن تقديم شخصية النبي وأضاعوا وقته في طرح مقارنة سطحية بين الإسلاميين المتشددين والمعتدلين وكانت المتابعة الصحفية شبه باهتة.

(2) عمرو خالد، 11-3-2006:
تمخض الجدل الطويل والاعتراضات والمدافعات في الشرق الأوسط عن تشكيل الداعية عمرو خالد لوفد ثلاثي يشاركه فيه الدكتور طارق السويدان والشيخ الحبيب علي الجفري وعُقدت ندوة في المعهد الدنمركي للدراسات السياسية الدولية وحظي بتغطية صحفية ملحوظة ولكنها بقيت ضمن الإطار المرسوم وهو تحسين صورة الدنمرك وحكومتها أمام العالم الخارجي.

(3) فاضل سليمان، 27-3-2006:
اختار الأستاذ سليمان رجال الإعلام ليكونوا "الفئة المعنية" لبرنامجه الفخم في فندق ماريوت شارك في تمويله بعض المؤسسات الدنمركية، ومحوره الرئيس ندوة عن الإسلام باللغة الإنجليزية فحضر منهم حوالي 70 شخصاً، ورفضت وزارة الخارجية الإنضمام إلى قائمة المنظمين.

(4) مركز الإمام علي، 11-05-2006
عُقدت ندوة أكاديمية لمدة يوم واحد بالتعاون مع السفارة الإيرانية، واختير لها قاعة محاضرات المتحف الوطني التي تتسع لحولي 150 مستمع، وتقاسم المحاضرات التي ألقيت باللغة الإنجليزية أساتذة جامعيون، 3 دنمركيين من متخصصي الشئون الإسلامية و 3 إيرانيين.

(5) قناة الإسلام – لندن، 5-5-2006:
دخلت قناة الإسلام بثقلها فهي تفوق الآخرين بميزتين الأولى أنها مؤسسة إعلامية فهذه المبادرة تقع في صلب اختصاصها، والثانية أنها تعمل على أراضي القارة الأوروبية فإدراكها للواقع وللملابسات الميدانية أعمق وأدق، واختارت لعقد مؤتمرها أفخر مواقع العاصمة وهو أرض المعارض Bella Center وانتقت الـ "إسلاموفوبيا" عنوانًا للمؤتمر، ويبدو أن هذا الاسم، استفز الشخصيات العامة والسياسيين فتجاهلوا المؤتمر وأخفقت في إقناعهم بالمشاركة خاصة وأن الجو لا يزال مشحونًا بالضجر والحساسية تجاه الجالية المسلمة. استغرق المؤتمر يومًا واحدًا وسادت اللغة الإنجليزية فقراته بطائفة من المتحدثين من الدنمرك وبريطانيا والولايات المتحدة وألقى المشائخ الضيوف كلماتهم باللغة العربية، ورغم ضخامة الحدث لم يشارك سوى عدد ضئيل من الدنمركيين الأصليين، كما نقلت التلفزة والصحافة أخباره بصورة مبتسرة.

(6) مركز التطوير الثقافي – KUC، 19-6-2006:
حشد المركز بصفته الرسمية كل ما يلزمه من موارد الدولة ليجرى احتفالية على مدار ثلاثة أيام تحت اسم "إسلام إكسبو"، شملت ثلاث محاضرات بالإنجليزية عن الإسلام في قاعة المكتبة الملكية وعرضاً لفيلم الرسالة وأناشيد عربية ورقصات صوفية والمعرض المتنقل من بريطانيا عن "صورالإسلام" وقام بافتتاحه وزير الخارجية بحضور مندوب منظمة الإيسيسيكو وبعض الشخصيات المحلية وتم توظيفه بشكل مركز لخدمه هدف الحكومة وهو رد الاعتبار للدنمرك بحملة العلاقات العامة.

الخط الرئيس: التفاعل الفكري
خلق الله تعالى البشر وفطرهم على عقلية لا تختلف صفاتها بسبب الأعراق وخصائص لا تتغير ولا تتبدل بمرور العصور، ويبرز القرآن الكريم دعوات الأنبياء عليهم السلام ليفيدنا عن كيفية تلقي الإنسان لفكرة جديدة ومراحل تفاعله معها إلى أن يتقبلها ويتطبع بها، وجاء علم النفس الحديث ليكتشف الأسرار التي أودعها الخالق وليؤكد وليفسر الحقائق القرآنية السابقة. ونظرًا لتشابه أوجه القصور بين بلاد الإسلام وبين الجاليات المغتربة فلا يزال "التفاعل الفكري" بعيد المنال لغياب مقوماته وافتقاد إمكانياته.

اللاعبون:
بعد كل تلك الأحداث الساخنة يصبح التعرف على لاعبي الفريق الإسلامي فرض عين على المهتمين بنصرة النبي ويكون تحديد طرق أدائهم من فروض الكفاية ، وحرصًا على سلامة القلب سنكتفي بالتلميح دون التصريح وبالتعميم دون التخصيص لنستهل جولتنا ونمضي من الأعلى إلى الأدنى:

المدركون: مجموعات التزمت بالعمل الجماعي كواجب شرعي وتكونت لديها رؤية واضحة بضرورة أن يحلِّق طائر الدعوة بجناحين، جناح "درء المفاسد" أي حماية الجالية من الضياع وجناح "جلب المصالح" وهو مهمة تبليغ الدين إلى كافة الغافلين، ولديها تصورات وخطط وممارسات تطورها وتثابر عليها ضمن قاعدة "ما لا يدرك جله لا يترك كله" وهي القلة النادرة.

المتحمسون: فئات عادت إلى فطرتها مع صدمة الاغتراب فأحبت هذا الدين وارتادت المساجد، وحالت قدراتها الجبلية والكسبية المحدودة بينها وبين البحث والتخطيط والتطوير، ولحسن نيتها وعفويتها انشغلت بواجب الوقت واستغرقها الوفاء بالحاجات الآنية عن الرؤية الاستراتيجية وواست نفسها عند الارتجال بالمثل القائل "ليس في المكان أبدع مما كان".

المتشاغلون: أفراد جعلوا الارتباط بالدعوة وسيلة لشغل أوقات الفراغ أو استمتاعًا بأضواء الإعلام تغلب عليهم المزاجية والموسمية، فتجذبهم مغناطيسية الأحداث للظهور في الندوات العامة، والوقت يمضي أو يضيع ولا سبيل لمراجعة الحصاد دون عمل جماعي وفئة يتحيزون إليها ودون خطة يلتزمون بها ودون معايير لتقويم الإنجازات والإخفاقات.

الساخطون: زمر صغيرة لا تكاد تخلو بقعة في الأرض منهم، علمهم قليل وتجربتهم ضحلة وعواطفهم جياشة، أفرطوا في حب الدين "ومن الحب ما قتل" فأنزلوا جام غضبهم على الكفار وتناسوا الرحمة بهم، وانشغلوا بإحصاء أخطاء المؤمنين وتجاوزوا الإنصاف معهم، ليس لديهم بضاعة سواء الاعتراض، يتأففون من عالم الغرب ويعددون معايبه، ويلتصقون بأرضه ويحرصون على منافعه، لا يجيدون نقاشًا ولا حوار ولا يجدي لشفائهم إلا الدعاء الحار.

المرقعون: هم المرضى بداء الانبهار ابتليت بهم الأمة منذ سطا الغرب على بلاد الإسلام فأربكتهم الهزيمة وملأت قلوبهم بالريبة، حالهم في أوروبا أشد إيلامًا فهم ضيوف على موائدها أو فلنقل رهائن في قبضتها، وجد فيهم مخططو الغرب بغيتهم وأخرجوا لهم متنًا عنونوه باسم "اليورو إسلام" فتسابقوا على شرحه بتسطير الهوامش وتسويد الحواشي، فحصروا اهتمامهم في "تهذيب" الشريعة و "تطويع" المسلمين لم يعجز إبليس في التلبيس عليهم كما فعل بسابقيهم والمعصوم من عصم الله.

المرتدون: جميعهم حمل الإسلام وراثة فليس له من الأمر سوى الاسم، وصدق فيهم قول السلف "شر الناس مع باع آخرته بدنيا غيره"، انتقاهم الغرب من بين النكرات وأعدهم بعناية ونسبهم للإسلام عنوة مستغلاً شيوع الجهل بالإسلام، ُفتحت لهم الأبواب وأسندت لهم المناصب وسُلطت عليهم الأضواء وجعلوهم مثالاً لمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها مبدأهم "اكفر تغنم واتق تندم" فهم من أبناء جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا وهم وصفة الغرب الناجعة لمقاومة الأصولية، فكانوا ردءًا لأسيادهم كفوهم مؤنة التصدي للإسلام الزاحف في قارة الخواء الروحي.

وهكذا دارت "معركة الرسومات" بين غيور على مقام الرسول اندفع محتسبًا يقارب ويسدد وبين مراوغ داع للمهادنة يزعم أن "التصعيد لا يفيد" ظن أنه قادر في آن واحد على نصرة الإسلام وإرضاء الدنمرك، وبين منافق يماليء الظالم ويطعن المظلوم وهنا لاحت الفرصة الذهبية للحكومة الدنمركية فكادت كيدها وقسمت المسلمين إلى حمائم وصقور، قربت الأوائل وفتحت لهم الأبواب وأبعدت الأواخر وتوعدتهم بسوء العذاب!

الفئة المعنية من قطاعات الشعب الدانمركي
سردنا موجزًا عن ست مبادرات وُلدت بعد إدمان الفكر وحشْد الجهد وترتيب البرامج .....

فماذا حققت؟ وهل نقلتنا من حالة التأزم إلى بداية الانفراج؟ وقبل الإجابة نعيد فنؤكد أننا طلاب حق وأهل إنصاف... نحرص على حماية مقدسات الإسلام كما نسعى لتنعم الدنمرك بالاستقرار ولتتمتع بالازدهار، نُقِر بالجميل لصانعه دون المساومة على عقيدتنا وديننا.

وحتى نتمكن من تحديد "الفئة المستهدفة" في المجتمع الدنمركي أي القطاع الذي يجب توجيه الخطاب إليه لتأثره المباشر بصورة الجالية سلبًا وإيجابًا، فلا بد أن نجمل مسلسل الأحداث:
(1) الشعب الدنمركي شعب طيب كباقي أجناس البشر تعامل مع المغتربين بشكل طبيعي.

(2) وَفَدَ المغتربون بمحض إرادتهم وكونوا جالية مزجت في سلوكها بين العادات والدين ولم تكن قادرة على حماية نفسها ولا مؤهلة لتبيين خصائص دينها.

(3) تشكل تحالف ثلاثي لاستغلال ظاهرة الخوف من الغرباء "الزينوفوبيا" والتي تحولت إلى "الإسلاموفوبيا" بتأثير حملة مكافحة الإرهاب الأمريكية. وأعضاء هذا التحالف هم:
أ- الإعلاميون اللادينيون الليبراليون.
ب- السياسيون العنصريون.
ج- الأكاديميون المغرضون (مبغضو الإسلام).
وتلاعبوا بعواطف المواطن الدنمركي العادي وأثاروا قلقه من المسلمين بترويج معلومات مغلوطة وإحصائيات مبالغ فيها.

(4) سيطر على معظم السياسيين مشاعر النفور تجاه الأئمة والشخصيات المتدينة كما كونت الحساسية من الدين حاجزًا نفسيًا منعهم من الاتصال أو التعامل مع الملتزمين عموماً.

(5) نتيجة العنصر السابق اتصفت الممارسات الإعلامية بكيل الاتهامات للأئمة والانتقاص من قدرهم في كل مناسبة، بينما اتصفت المواقف الرسمية لموظفي الدولة بعدم قبولهم كشريك معتبر ولا حتى مشاورتهم في أي مشروع يهدف لإدماج المسلمين في المجتمع.

بلغت الممارسات المغرضة ذروتها في نشر "الرسومات" وتكهرب الجو لمجرد أن امتعض المسلمون وباحوا باستهجانهم، وأعيد طرح فكرة "الإسلام دين لا يقبل التعايش مع الآخرين" و"المتدينون هم أس البلاء ومصدر الإزعاج..." وحان الوقت لنميز الخيط الأبيض من الأسود:
"الفئة المستهدفة" بمشروعنا أو "المعنية" بطروحاتنا هي رجل الشارع العادي الراغب في مجتمع يحيا فيه آمناً مطمئنًا ويوفر له أسباب الحياة الطيبة كما يمنحه فرصة لتحقيق بعض الطموحات المتواضعة من رغد العيش. "الفئة المعنية" لا تجيد دندنة السياسيين ولا دندنة الصحفيين ولا تفرق بين "ثرثرة الجارات" و"صراع الحضارات" لا تفقه حيل الأحزاب ولا تفهم ألاعيب الأكاديميين ولا تكشف زيف إحصائياتهم، وقد صدق خاتم النبيين "إن بين يدي الساعة سنين خداعة يُصدق في الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين"...
ونعود إلى المبادرات الست ولنستطلع إلى أي مدي قد أصابت الهدف:

(1و2) حيل بين حمزة يوسف ووفد عمرو خالد وبين "الفئة المعنية" وانتقوا لهم مجموعات محدودة جدًا من الشباب كانت في أصلها معارضة للحكومة ومنفتحة على المغتربين.

(3) خاطب فاضل سليمان دهاقنة الصحافة بما لهم من انتماءات فكرية وبما يحوطهم من قيود وظيفية وكان اللقاء لمرة واحدة قد لا تتكرر ولكنها حتمًا لا تكفي.

(4و5) قناة الإسلام جهد مشكور في تجميع المسلمين ورفع معنوياتهم وفي غيبة الدنمركيين كانوا أشبه بمن يُسمع نفسه ويبث شكواه لمن يشاركه الألم (مركز الإمام علي).

(6) اسلام إكسبو طريقة غربية تقليدية لعرض الإسلام يختلط فيها الحابل بالنابل وضجيج رحاها على حصيلة طحينها، فهي مهرجان مجاملات للترفيه وللحبور.

المشاريع المقترحة
لكل بيئة خصائصها ولكل مشروع مكوناته ولا جدال في تتعدد "أطراف" التفاعل الفكري أو الثقافي داخل المجتمع الواحد أو فيما بين مجتمع وآخر، ولا تزال طوائف المثقفين في مشارق الأرض ومغاربها وعلى تنوع خلفياتها تُْلحِف في السؤال وتتلهف للجواب، أين "حوار الحضارات"؟

ولكن "الحالة الدنمركية" تحدد أطراف قضية التفاعل الثقافي بثلاثة أطراف:
(1) الدنمركيون الموضوعيون (الشريك الأول: سياسيون، مفكرون، صحفيون).
(2) مثقفو العالم الإسلامي (الشريك الثاني - فريق الإسناد الخارجي).
(3) ناشطو الجالية المغتربة (الشريك الثالث - الفئة المغيبة أو المحجَمة بإصرار).

والذي فرض وجود الشريك الثالث وأكد أهمية دوره خصوصية أوضاع الدنمرك، فـ "أزمة الرسومات" فرصة تاريخية لتعزيز الإسهام الإيجابي للجالية في خدمة المجتمع، فالحكومة غارقة في مأزق تستميت في الخروج منه وبالتالي فلن تقوم بدور مفيد أو موضوعي، كما فرضته الظروف الأوروبية التي تحصر دور الدولة في "رعاية المصالح المادية وليست الفكرية" ويُختبر أداءها بمقتضى الإنجازات المادية ويُدَلل عليه بالأصوات التي تنالها في الانتخابات.

الموقع، المدة، البرنامج، الملحقات: "مبادرة الشراكة الثقافية"
احتفالية ثقافية لمدة يوم واحد ثنائية اللغة الدنمركية والإنجليزية ويعقد في ست مدن تتضمن:
(1) كلمات المحاضرين (6 أشخاص × 25 دقيقة)
(2) فقرات أناشيد إسلامية (مع ترجمة المعاني على الباور بوينت)
(3) ندوة حوار جماعية (الفقرة الختامية لمدة ساعتين)
(4) أطعمة شرقية (بأسعار رمزية)
(5) مطبوعات ومنشورات (حسب المتاح)

مراحل التنفيذ:
أولاً: إعداد قائمة بأسماء الشركاء الدنمركيين لتكوين لجنة منهم.
ثانيأً: زيارة من مندوبي فريق المساندة الإسلامي للتعرف الميداني ولإجراء الاتصالات المبدئية مع كافة الأطراف المشاركة وخاصة لجنة الدنمركيين.
ثالثاً: يقوم فريق المساندة بتوجيه الدعوات إلى الشخصيات والمؤسسات الدنمركية ذات الشأن ومحاولة إنشاء علاقة ايجابية معها وكذلك ربطها بفكرة المشروع.
رابعاً: اختيار وحجز المواقع المناسبة لتنفيد الاحتفالية في مختلف المدن. والاتفاق على الوسائل الدعائية المثلى للمشروع.
خامساً: يبدأ المشروع من طرفي البلاد أقصى الشمال والجنوب وينتهي في العاصمة كالتالي:
(1) أولبورغ، (2) سونابورغ، (3) أورغوس، (4) أودنسة، (5) بورن-هولم وأخيراً (6) كوبنهاجن. ويستغرق إنجازه 2-3 أسابيع.
سادساً: أثناء التنفيذ وعند جلسات التقويم يمكن طرح اقتراح تكوين "لجنة دائمة" لعقد نفس النشاط سنويًا مع تطويره بإضافة كل ما يتوفر من تحسينات، وقد تكلمنا في ص 21 عن (إيجاد التواصل الثقافي الحقيقي بين الدنمرك والعالم الإسلامي)... وهو العصفور الثالث الذي نريد اصطياده ولن يتحقق ذلك مطلقًا إلا بتحرك أهل الحق.

﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾









Cookies make it easier for us to provide you with our services. With the usage of our services you permit us to use cookies.
More information Ok Decline